الطائفية تهدد الملاحة الجوية بالمطار: فتِّش عن العونية

الطائفية تهدد الملاحة الجوية بالمطار: فتِّش عن العونية

لا عدّ للأزمات المتناسلة من الأزمة الاقتصادية والمالية الراهنة، وما يرافقها من انهيار بالعملة الوطنية. لكن ثمة أزمات وقطاعات حيوية ومرافق عامة مهددة بالتوقف عن العمل، ليس بسبب الكارثة الاقتصادية سابقة الذكر، إنما بسبب تداعيات تحلل الدولة واستمرار السلطة السياسية باعتماد نهج المحاصصة والزبائنية في كافة الوظائف، بما فيها الوظائف بالغة الدقة والحساسية، كوظيفة المراقب الجوي في مصلحة الملاحة في مطار بيروت.
وعلى الرغم من أن مصلحة الملاحة الجوية في مديرية الطيران المدني في المطار على تماس مباشر مع سلامة الحركة الجوية، وتعد الأكثر تأثيراً على سلامة الطيران من لبنان وإليه، غير أن ذلك لم يكن كافياً بالنسبة إلى السلطة السياسية للقيام بتسهيل عمل المراقبين وتأمين كافة مستلزمات حسن سير المرفق، إن من الناحية التقنية أو البشرية، فالتجاذب السياسي والتقاسم الطائفي والمحاصصة لم يقف عند وظائف الفئتين الأولى والثانية، كما ينص القانون، بل تعداها إلى الفئات الثالثة والرابعة وحتى الفئات الدنيا.مطامع التيار الوطني الحرهذا الواقع يعرقل عمل الملاحة الجوية في مطار بيروت منذ أكثر من سنتين. أما اليوم فتكاد حركة الملاحة الجوية تتعطل فيما لو استمر حال النقص البشري فيها على ما هو عليه. ويعود عجز مديرية الطيران المدني عن سد النقص البشري في الملاحة الجوية إلى “مطامع التيار الوطني الحر” في تحصيل عدد من التوظيفات بشكل متساو مع توظيفات الطوائف الإسلامية في منصب لم يتقدم إليه من المسيحيين أكثر من 10 في المئة.
ففي العام 2016 ونظراً للنقص البشري الحاصل في كافة مديريات المطار وأقسامه، ومن بينها مصلحة الملاحة الجوية، اتخذ مجلس الوزراء حينها قراراً سمح بموجبه لوزارة الأشغال بالطلب من مجلس الخدمة المدنية إجراء مباراة لمركز مراقبين جويين. وهو ما حصل فعلاً.
أجريت المبارة الوظيفية في مجلس الخدمة المدنية، وصدرت النتائج. نجح قسم من المتقدمين من موظفي الإدارة نفسها، فتمت ترقيتهم إلى فئات أعلى. أما القسم الثاني من الناجحين في امتحانات مجلس الخدمة المدنية، وهم 125 شخصاً، فلم يصدر مرسوم تعيينهم رسمياً حتى اللحظة.
تم تجميد مرسوم تعيينهم بسبب عدم مراعاة عدد الناجحين لمبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. علماً ان مبدأ المناصفة لا يسري قانوناً إلا على الفئات الأولى والثانية، وليس على الفئات الأخرى. ما يعني أن وظيفة المراقب الجوي لا يتحتم عليها مراعاة المناصفة الطائفية.130 من أصل 1800المباراة التي تمت في مجلس الخدمة المدنية لتعيين 125 مراقباً جوياً في مصلحة المراقبين الجويين في الطيران المدني، تقدم إليها نحو 1930 شخصاً، بينهم 1800 مسلم و130 مسيحياً، تم اختيار 125 شخصاً هم الأوائل بين الناجحين، لملء الوظائف الشاغرة في حركة الملاحة، على ما يقول مصدر متابع للقضية في حديث إلى “المدن”. وكان من الطبيعي أن يكون غالبية الناجحين من المسلمين بالنظر إلى ارتفاع عدد المتقدمين منهم.
في العام 2019، وبعد مرور أكثر من عامين على نجاح المراقبين الجويين وقّع وزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس مرسوم تعيينهم، وأحيل إلى مجلس الوزراء، الذي بدوره أحاله إلى رئيس الجمهورية ميشال عون للتوقيع عليه. وهناك علق المرسوم. لماذا؟ السبب جاء على لسان رئيس التيار الوطني الحر بأكثر من مناسبة، وخلاصته أن التعيينات مهما كانت فئاتها لن تمر من دون مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. وهنا يسأل المصدر: من أين سنأتي بمتقدمين من الطوائف المسيحية لكافة الوظائف العالقة؟
ولا يقتصر النقص البشري في المديرية العامة للطيران المدني على مصلحة المراقبين الجويين، فالمديرية تُدار من قبل نحو 200 موظف فقط، في حين أن عديدها يجب أن لا يقل عن 900 موظف، ما يعني أن المطار يعمل بنحو 22 في المئة من طاقته البشرية فقط. أما مصلحة الملاحة الجوية فتحتاج دورة عملها إلى نحو 100 مراقب جوي، في حين لا يزيد عدد المراقبين الحاليين في المطار عن 17 فقط.مناوبات وزيادة بدلاتظروف العمل في مصلحة الملاحة الجوية قاسية جداً بالنظر إلى النقص البشري الفادح، واضطرار العاملين فيها لإجراء مناوبات إضافية وزيادة ساعات عملهم لسد النقص الحاصل، لكن مهما كانت الظروف، حسب مصدر إداري مسؤول في المطار في حديث لـ”المدن”، لن يتوقف العمل بالمطار ليلاً كما يُشاع.
وإذ يؤكد المصدر أن كافة الأقسام الفنية في المطار تعاني نقصاً فادحاً بالكوادر البشرية، خصوصاً للملاحة الجوية التي هي على تماس مباشر مع الطيران وسلامة الطيران، يوضح أن مسألة الحديث عن توقف العمل ليلاً هو أمر مستحيل: “فهناك الكثير من الطروحات والمخارج التي يمكن اعتمادها لتغطية النقص الحاصل وإن مؤقتاً”، حاسماً صعوبة استمرار الوضع بشكله الحالي. إذ لم يعد بالإمكان الاستمرار بسياسة “الترقيع” بالمطار.
يتم طرح زيادة المناوبات وساعات العمل في مديرية الملاحة الجوية، مقابل زيادة بدلات الساعات الإضافية. وهذا الأمر كان سارياً في وقت سابق. لكن مع تصاعد حدة الأزمة الاقتصادية وصعوبة الحضور إلى العمل لأكثر من دوام، نظراً الى التكلفة الباهظة للتنقل، إذ لم تعد بدلات الساعات الاضافية تغطي تكلفتها، قام العاملون في الملاحة الجوية بالتحذير بالتوقف عن تغطية الساعات الإضافية ما لم يتم زيادة بدلاتهم. وحسب المصدر المسؤول في المطار، هناك توجه إلى زيادة البدلات بشكل يتناسب ومطالب العاملين، إلى حين إقرار مرسوم تعيين المراقبين الجويين الذي يشكل حلاً نهائياً للأزمة.

اترك تعليقاً