العقوبات الأميركية وأزمة الخليج: “المنظومة” تخسر رجال الأعمال

العقوبات الأميركية وأزمة الخليج: “المنظومة” تخسر رجال الأعمال

اعتادت المنظومة السياسيّة في لبنان على وجود المتموّلين كجزء لا يتجزّأ من أدوات هيمنتها السياسيّة. هؤلاء المتموّلون هم من تبحث عنهم أحزاب الطوائف في الاستحقاقات الانتخابيّة، ليكونوا مرشّحين على لوائحها، ولتعويم اللوائح بالمال السياسي المطلوب، لتمويل الحملات الدعائيّة والماكينة وشراء الأصوات. ومن بين المتموّلين فئة لا ترغب بحجز مقعد نيابي أو لعب دور سياسي علني ومكشوف، لكنّها اعتادت على بذخ المال على الأحزاب السياسيّة التقليديّة، مقابل ما توفّره السلطة من حماية لمصالحها الماليّة المحليّة. ومن بينهم أيضاً، من اعتاد على مشاركة الزعامات أرباح الصفقات العموميّة والتعهّدات، وغيرها من خيرات الدولة التي تصب في جيوبهم، بوصفهم متعهّدي الصف الأوّل.
كل ذلك بات من الماضي اليوم. عصا العقوبات الأميركيّة الغليظة التي لسعت داني خوري وجهاد العرب باتت شبحاً يؤرق حيتان الصفقات العموميّة المعروفين محليّاً. هؤلاء يدركون جيّداً أن العقوبات في عالم التعهّدات والمقاولات بالتحديد، تعني إعدام المتعهّد مالياً، وإحالته إلى التقاعد المبكر، بل وملاحقة ما هرّبه من ثروات إلى الخارج.
وكبار المتموّلين من أصحاب الشركات العاملة في الدول الخليجيّة يعلمون أن سخط السعوديّة ومن سار على خطاها من دول الخليج يتجاوز مسألة تصريح القرداحي، ليطال موقف هذه الدول من السلطة اللبنانيّة بأسرها. أما المغتربون من أصحاب المصالح في الدول الغربيّة، فباتوا يخشون ارتباط اسمهم كمتموّلين بأسماء الزعماء المحليين بعد العقوبات الأخيرة. وهكذا، لم يعد لهؤلاء مصلحة في ربط أنفسهم برموز السلطة في لبنان، لا عبر الترشّح على قوائمهم، ولا من خلال دعمهم ماليّاً.من يعوّم الحملات بالمال السياسي؟في انتخابات العام 2018، لجأت الأحزاب السياسيّة إلى تطعيم لوائحها برجال الأعمال والمتموّلين، لتعويم حملاتها بالمال السياسي الذي تحتاجه في المعركة الانتخابيّة، ولو جاء ذلك على حساب قدرة هذه الأحزاب على ضبط النواب بعد الفوز بالمقاعد النيابيّة. وعلى هذا النحو، دخل نعمة فرام وروجيه عازار لائحة التيار الوطني الحر في كسروان-جبيل، كما ضم التيار ميشال الضاهر إلى لائحته في زحلة، وفريد البستاني في دائرة الشوف-عاليه، وأسعد نكد في زحلة. وفي البقاع الغربي، استعان تيار المستقبل بمحمد قرعاوي، كما استعان بنزيه نجم في بيروت الثانية. وهكذا، كان بالإمكان في كل دائرة رصد عدد من المرشحين الذين استعانت بهم الأحزاب لمجرّد امتلاكهم القدرة على تمويل المعركة الانتخابيّة، وخصوصاً التيار الوطني الحر وتيار المستقبل.
اليوم، بات ارتباط رجال الأعمال بهذه اللوائح كمرشحين مكلفاً، وخصوصاً إذا كانوا من أصحاب الشركات التي تعمل في الدول الغربيّة، والتي قد تتأثّر بأي عقوبات قد يتم فرضها في مستقبل على المتموّلين المقرّبين من أحزاب المنظومة. كما بات الارتباط بهذه اللوائح مكلفاً أيضاً على من يمارس أعمال تجاريّة في بعض دول الخليج العربي، أو على من تملك شركاته بعض الأنشطة في هذه الدول. ولعلّ هذا العامل بالتحديد لعب دوراً كبيراً في إبعاد بعض النوّاب من رجال الأعمال عن كتلهم الأساسيّة، وخصوصاً كتلة “لبنان القوي”، إلى جانب عوامل أخرى كنفور شرائح اجتماعيّة واسعة من أي رموز متصلة بالتيار الوطني الحر.ورطة جبران باسيل.. والحريريعلى أي حال، يشير بعض المتابعين لمعركة التيار الوطني الحر في دائرة كسروان-جبيل سنة 2018 إلى أن رفض التيار التحالف مع حزب الله في تلك الدائرة، لم يتصل فقط بعدم امتلاك الحزب الحاصل الانتخابي المطلوب. فعمليّاً، كان بإمكان التيار مقايضة الحزب والحصول على مغانم في دوائر أخرى مقابل ضم مرشح الحزب إلى لائحة التيار في كسروان-جبيل وضمان فوزه، من دون أن يخسر التيار أياً من مقاعده في هذه الدائرة، خصوصاً أن الحزب استمات في تلك الفترة لضمان حصول الثنائي الشيعي على جميع المقاعد الشيعيّة من دون استثناء.
السبب الأساسي الذي أعاق هذه العمليّة، رغم إلحاح حزب الله على ذلك، كان امتلاك عدة متموّلين من المرشحين على لائحة التيار في دائرة كسروان-جبيل مصالح تجاريّة في الدول الغربيّة أو الخليجيّة، وهو ما دفعهم إلى اشتراط عدم الترشّح على لائحة واحدة مع مرشّح الحزب. يومها، اختبر التيّار حساسيّة الارتباط بتحالف انتخابي مع الحزب المدرج على لوائح العقوبات الغربيّة، والمنخرط في معارك إقليميّة عدّة، وعرف محاذير هذه المسألة.
أما اليوم، فبات جبران باسيل نفسه، بعد دخوله قائمة العقوبات، في موقع الحزب، أي في موقع الذي لا يحبّذ هؤلاء المتموّلون الارتباط به سياسياً أو مالياً. باختصار، سيكون جبران باسيل تحديداً في ورطة انتخابيّة لا يحسد عليها، بغياب رجال الأعمال الذين اعتاد الحصول على تمويلهم، أو على ضمّهم إلى لوائحه لتمويل حملاتها. وفي حالة التيار الوطني الحر، ستمثّل هذه الإشكالية تحدّياً انتخابياً كبيراً، بالنظر إلى كلفة إدارة ماكينة انتخابيّة يمتد نشاطها ليشمل الغالبيّة الساحقة من الدوائر الانتخابيّة، مع كل ما تشمله هذه الكلفة من مصاريف دعاية ومندوبين وخدمات في المناطق.
والأكيد أيضاً أن سعد الحريري سيكون خلال الأشهر المقبلة في ورطة مماثلة، خصوصاً بعد أن طالت العقوبات الدوليّة أبرز رجال الأعمال المقرّبين منه، أي جهاد العرب، وهو ما سيثير خشية المتموّلين الذين يطمع الحريري بدعمهم. مع الإشارة إلى أن عدم الرضى الخليجي على أداء الحريري السياسي، سيفاقم من خشية المتموّلين المرتبطين بأنشطة تجاريّة في الخليج. كما ستزيد من سوداويّة المشهد الانتخابي لدى التيّار الأزرق الأزمة الماليّة التي يمر بها الحريري نفسه.جيش المتعهّدين سيبتعدمن المعروف أن كل حزب من أحزاب السلطة امتلك تاريخياً مجموعة من المتعهّدين المحسوبين عليه، والذين يمثّلون أداته للحصول على نسبة من مغانم الصفقات العموميّة. وهؤلاء المتعهّدون، عانوا منذ أكثر من سنتين من شح الأموال العامّة المخصصة للمشاريع الجدية، أو من شح السيولة المتوفّرة لدى مصرف لبنان لتمويل العقود الموقّعة معهم بالعملة الصعبة. ولهذا السبب، وحتّى قبل العقوبات الأميركيّة الأخيرة، كانت الغالبيّة الساحقة من هؤلاء المتعهّدين قد فقدت أي مصلحة بالارتباط بالزعامات التقليديّة اللبنانيّة، سواء عبر دعمها ماليّاً، أو عبر تقاسم مغانم الصفقات العامّة معها من تحت الطاولة.
بعد العقوبات الأخيرة على داني خوري وجهاد العرب، أدرك جميع هؤلاء الكلفة القاسية للارتباط بأحزاب المنظومة. فحلول أي متعهّد على قائمة العقوبات، سيعني أولاً ملاحقة شركاته وأملاكه وودائعه الموجودة في الخارج، وثانياً فقدانه القدرة على ممارسة أي نشاط في عالم المقاولات والتعهّدات في أي دولة من دول العالم. وإذا كانت الأزمة الماليّة قد أطاحت فرص هؤلاء للتربّح من المال العام في لبنان، فالعقوبات ستقضي على فرصهم في التربّح من نشاطات استثماريّة بديلة في الخارج. وفي عالم المقاولات بالتحديد، ستعني العقوبات فقدان المتعهّد القدرة على استخدام النظام المالي في جميع دول العالم للحصول على الكفالات المصرفيّة المطلوبة قبل مباشرة أي مشروع، كما ستعني فقدانه القدرة على الدخول في عقود جديدة مع الغالبيّة الساحقة من دول العالم والشركات الدوليّة.

هكذا، ستكون العقوبات الأميركيّة والأزمة مع الدول الخليجيّة قد قلّمت أظافر المنظومة السياسيّة اللبنانيّة إلى حد كبير، من خلال تطويق علاقاتها بفئة رجال الأعمال والمتموّلين الكبار، وحتّى المتعهّدين الذين كانوا حتّى الأمس القريب من أبرز شركائها في الصفقات العموميّة. وهذه الضربة، سيكون لها من دون شك أثر كبير خلال الانتخابات النيابيّة المقبلة، وخصوصاً في الدوائر التي يخوض فيها كل من التيار الوطني الحر وتيار المستقبل معاركهما، لكونهما التيارين الأكثر تأثّراً بغياب تمويل رجال الأعمال، والأكثر تأثراً بالتحولات التي طرأت على المزاج الشعبي بعد 17 تشرين الأوّل 2019.

اترك تعليقاً