المسك أو مارون مسك

المسك أو مارون مسك

أوقفتُ سيارة تاكسي من فردان بيروت باتجاه شارع مارون مسك في منطقة الشياح، التي يغلب عليه السكن من الطائفة الشيعية باستثناء جيب مسيحي صغير، لا أحد يعلم كيف أدار إقامته هناك طيلة سنين الحرب وحتى اليوم، في ظل الانقسام المقيم بين الشياح وعين الرمّانة.المهم، بسبب الطابع الشيعي لشارع مارون مسك جرى إلغاء اسم مارون اجتماعيا وبقيت الكنية المسك؛ لا ندري إن وافقت البلدية على هذا الإجراء الذي يثير الحساسية بين الطرفين، أحدهما مصرٌ على إبقاء التسمية القديمة والآخر يصر على التخلص منها.
وضعني مكان إقامتي في حيرة من أمري، أنا الذي لا يعير للطائفية، ولا لطوائفها ومذاهبها ومشاربها وأديانها إلى أي جهة انتمت، أي اعتبار؛ فتارة أقول للسائق مارون مسك، وطوراً المسك، تبعاً لافتراضات أجهد لتبيانها من ملامح السيارة أو أزياء السائق والهيئة التي يحرص على الظهور بها؛ هذه المرّة خانتني العبارة لكثرة ما أوقفت سيارات تاكسي رفضت أن تقلّني بالمال الذي أعرضه عليها، وصودفت ملامح السيارات ورموزها كلّها إسلامية، فأخذ لساني على عبارة المسك؛ إلاّ أن من وافق على عرضي كان سائق سيارة سبعيني لا ملامح ظاهرة لأي هوية له، باستثناء تعويذة إسلامية عثرت عليها قرب الجيب الذي يواجه مبدّل السرعة؛ إلاّ أنه وقبل ملاحظتي هذه بادرني بتمثيل أنه سمع شارع مارون مسك أليس كذلك؟ وافقت من فوري على الاسم، مُسجّلاً اعتراضي على المبلغ الذي طلبه، وأردفت أقول: يبدو أنك من الرجال الثقال، مبرّراً ذكر اسم المسك بدلاً من مارون مسك بالحساسيات الذي قد يثيرها الاسم في منطقة ذات غالبية إسلامية، ألمح همساً: ولكن اسمه مارون. ما هي إلاّ لحظات، وقبل شروعنا في فتح حديث مشوّق، وفيه من الأخطار ما فيه لأي غلطة تُرتكب، فهذه المواضيع إنما تسيّرها سياسة الحافة والمضمر من الكلام، والعديد من التمثيليات والرموز التي يرسلها كلا الطرفين، توقف السائق أمام مواطنة ترتدي أزياء شرعية إسلامية؛ بادرت من فورها بالقول: بئر العبد. الرجل، ولخبثٍ مقيمٍ فيه وكأنّّي به من سكان تلك المنطقة، وفي موقع المعترض على التغييرات الديموغرافية والمسمّيات الجارية في تلك المنطقة، سألها: تقصدين سندريلا؟ أجابت نافية، وهي لمّا تزل في مقتبل العمر، وأكيد أنها تجهل أن اسم المنطقة كان، ولفترة طويلة، باسم السينما التي كانت قائمة هناك؛ ويبدو أن صاحبها كان من «الجالية المسيحية»؛ قلت لها: لا عليكِ، اصعدي، بعد أن سألته إن كان سيقلّها إلى هناك؛ أجاب موافقاً؛ قلت له: إذاً سأنزل عند كنيسة مار مخايل وتابع سيرك إلى وجهة الفتاة لأنّي أتحاشى منذ زمن التوجه إلى أماكن الاكتظاظ السكاني، حيث أنه وجب عليك في منطقة الضاحية الجنوبية أن تُتقن لغة عيش أهلها وسلوكياتهم لتتمكن من تخليص أمورك فيها، مثلها مثل جميع المناطق المقفلة على نفسها. رفض، ربما لأنه أراد رفقة في مشوار يعتبره خطراً، ووجدني مختلفاً قليلاً عن «الإسلام» الآخرين كوني ذكرت له أنّي مقيمٌ في الجهة المقابلة للشياح، وذكرت له اسم الشارع بكامله؛ وقد سُرَّ لذلك كثيراً؛ صعدت الفتاة ومشينا… وفتح السائق حديثاً عن حرب تموز وعن بطولة أفراد حزب الطائفة الشيعية الأول ومناقبيتهم؛ بدا حديثه لي مزايدة ليمهّد لعملية دخوله إلى الضاحية بأمان، وكأنّ بمزايدته هذه يحصل عليها. قطعتُ عليه حديثه وأفضتُ في سؤاله عن سبب تسمية شارع مارون مسك بهذه التسمية، ليتنبّه إلى سخافته. صمت، ثم فجأة رنّ هاتف الفتاة التي قالت لصديقتها إنها عادة لا تجاوب على المكالمات الهاتفية وهي في تاكسي؛ لكن السائق كان كلّما لاحظ أن الفتاة مندمجة في اتصالها وتحدّثنا وتحدّث صديقتها عن مشاريعها وحياتها، يرفع من صوت المذياع ثم يخفضه عندما تخفض من صوتها، سألته: هل الإذاعة إذاعة جبل لبنان، لأنها تبث منوعات غنائية أجاب: لا إنها صوت لبنان؛ أردت بسؤالي القول له إن لعبته سمجة؛ فجأة، وأثناء توقف السير، قطعت امرأة محجّبة ومعها طفلين، الشارع والسير متوقف، فأفلت السائق رجله عن دعسة الكابح وكاد يدهسهم هو لم يكن يريد دهسهم إنما تخويفهم. وهذا ما كان له بالفعل، إذ إن علامات الذعر كانت واضحة المعالم على السيدة المحجبة، التي لشدّة ذهولها غادرت دون أن توجّه للسائق أي كلمة. عندما اقتربنا من منطقة الغبيري سألته إن كان سمع أو يذكر كنيسة الطيار في المشرفية، بقي صامتاً خفض من صوت المذياع، والفتاة كانت مستمرة في محادثتها مع صديقتها، كيف أنها أجرت امتحاناتها، وذكرت لصديقتها أنها لأجل التقدم على الامتحانات لم تدرس شيئاً، بل جالت هي وثلة من صديقاتها وصديق آخر مشترك بينهم على بعض الذين يدرسون جيّداً؛ وهي عدا ذلك تعلم في معهد، وتشعر بأزمة ضمير كون علامات الطلاب الذين تعلمهم تحت المعدّل دوماً، وأن المعهد الذي تعمل فيه وتتقاضى أجراً منه سيحمّلها المسؤولية في النهاية عن تراجعهم الدراسي؛ لذلك هي تفكر بالاستقالة.فكّرت في أمر هذه الفتاة وكيف تقدّمت لامتحاناتها الرسمية دون درس ونجحت، وكيف تعلّم أطفالاً لا يدرسون مثلها وسينجحون في النهاية مثلها، وتذكّرت قولاً لأستاذ اللغة العربية في بلدتي عند بدايات الحرب، والمستوى الذي آل إليه التعليم آنذاك، إن المدارس لا محال ستُخرّج أناساً أميّين من الآن وصاعداً.قطع عليّ تفكيري هذا صوت السائق الذي صرخ بوجه فان يتباطأ بالسير؛ شعرت أنه يقول لنا إنه ليس خائفاً وإنه يستطيع رفع صوته دون أن يؤذيه أحد، حتى ولو كان من سائقي الباصات الجلفين أوصل الفتاة إلى وجهتها، وتوجّه إلى خط صيدا القديمة قاطعاً الأوتوستراد الجديد؛ تحدّثنا عن الحرب وماذا فعلت بالبلاد وكيف دمرت النفوس والأخلاقيات؛ عملياً كنتُ أنا من يتحدث وبقي هو صامتاً حتى وصلنا إلى وجهتي؛ ما إن فتحت باب السيارة حتى بادرته بالقول: اسمه شارع مارون مسك شاء من شاء وأبى من أبى، وقبل أن أكمل جملتي رفع عقيرته إلى أعلاها وكأنّي به كان قاب قوسين أو أدنى من أن يختنق: غصباً عن الجميع، وقدمي فوق رقبة كلّ من يرفض هذه التسمية.

اترك تعليقاً