تلفزيونات لبنان..المتهكِّم وقد مات

تلفزيونات لبنان..المتهكِّم وقد مات

دخل التلفزيون اللبناني مرحلة الاجترار حين اصطدم بمواقع التواصل الاجتماعي، التي صارت محط إقامة للكثير من جمهور التلفزيون الذين باتوا يفضلون تمضية وقتهم فيها أكثر من تلقيهم لما يبثه ويبرمجه. صدمة التلفزيون هذه حملته إلى استراتيجيات عديدة، وعلى رأسها أنه حاول فبركة شخصية تتيح له جذب أولئك الذين ما عادوا يؤمنون بسحره.
هذه الشخصية، جاء بها من زاوية هامشية في أحد برامجه الذي يدعى “حديث البلد” (أم. تي. في)، وقدّمها على أنها هي التي ستعيد له مجده الذي خسره. ففي هذا البرنامج، كان الممثل ميشال ابو سليمان يعلق على كل ما يقوله الضيوف بالتهكم، حتى لو كان “حديثهم” ليس موضوعا لتعليقه بسبب معناه أو بسبب أنهم ليسوا في الاستديو من أجل تحمل السخرية منهم. فعلياً، هذه الشخصية، التي يمكن تسميتها بِسِمَتها، أي المتهكم، هي التي سيؤديها لاحقاً كثرة من الإعلاميين، وعلى رأسهم هشام حداد، وسيظهرون في برامج تقوم بالتعليق إياه على كل ما يدور من أحداث سياسية وسواها في البلد، من باب إخراجها في كادر كوميدي. كوميديا يفترض أنها ذكية ولمّاحة وصائبة، في محاولة للتمرّغ في تجربة المصري باسم يوسف الذي خسرها بدوره، مع انقلاب السيسي ونظام 30 يونيو على الرئيس المنتخب محمد مرسي الذي كان الفريسة المفضلة والأسهل أيضاً ليوسف… فالمتهكم هو الذي يبرز كلاً من تلك الأحداث على أساس أنه مجرد اسكتش. فأياً كان أثرها، وأياً كان ما تنطوي عليها من بؤس، لا تصعب السخرية منها.وبالفعل، نجح المتهكم في إنعاش التلفزيون، بمعنى أن برامجه استطاعت جذب متفرجين، بالتوازي أيضاً مع التزاحم بين هذه البرامج. هذا التزاحم جعلها تفقد وقعها، وفقدانها لهذا الوقع له مردّ ثان، وهو انها في لحظة ما صارت تشبه موضوعها: فمثلما أن الأحداث تدور على نفسها، وتتلف، وتتكرر، ولا تمضي إلى شيء، كذلك تلك البرامج التي خسر تهكمها ما يحتويه من لقطات ونكات. صار التهكُّم متماهياً مع المتهكَّم عليه، بل صار يدافع عنه. ففي حين يعمد برنامج “ساخر ونقدي” الى التهكم على المسؤولين عن تلف الأحداث، يذهب فجأة إلى الدفاع عنهم: التهكم في السلطة. وحين يصير كذلك، فهذا يعني أنه في مطرحه طبعاً، لكن هذا يعني أنه يدخل في دائرة الابتذال أو على الأقل يقترب منها.في الواقع، ليس هناك من هذا “على الأقل” في التلفزيون اللبناني. فالمتهكم، وبعد مجده الميديوي، تخطى الابتذال، ابتذل الابتذال، وصار على سخافة. فبعدما كان المتهكم هو مخلّص التلفزيون، غدا هو مسجّل وضعه، اي صار يسجّل اجتراره. حالياً، التلفزيون يبحث عن كيفيه إعادة إنعاش المُتهكِّم، من باب أن إنعاشه يجعله ينصرف من اجتراره: يبحث عن إحياء مخلّص لكي يخلصه.في هذه الجهة بالتحديد، يندرج برنامجا “فشة خلق” و”شو الوضع” على قناة “الجديد”. فهذه القناة، قررت إحياء المتهكم من خلال نقل الزميلة داليا أحمد، من نشرات الأخبار، إلى تأديته. وبهذا، تبدو أنها تزرع في شخصية المتهكِّم ما جلبته معها من قراءة الأخبار في تلفزيون “الجديد”، ونبراتها. بالتالي، يستوي تهكمها على ما هو قريب من غَدرِه لذاته، بمعنى أنه فجأة لا يعود سخرية، إنما يثير الشفقة لأنه يبدو ثقيلاً للغاية، أو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويشبه نفسه! فأحمد هي التي تجعل التهكم مسكوناً بمقدمة أخبارية، وهذا ما يبرز من خلال صناعتها له على أساس اللعب على الكلمات بطريقة بسيطة، أو بمحاولة ربط كل تصريح سياسي بأغنية، تماماً كما في ربط قضية القاضي طارق البيطار بأغنية لنجوى كرم. على أن مشكلة تهكم أحمد أنه ليس كذلك التهكم الماضي، الذي لم يكن يقترن بدور ما، بل بالتمسخر على كل الأدوار. تهكم أحمد يأخذ على عاتقه “فش خلق” المواطن، بالتالي هو تهكم هادف، كما لو أن هذا المواطن يحتاج إليه لكي يفش خلقه، أو بالأحرى كما لو أن وضع هذا المواطن يحتاج إلى فش خلقه فقط. تهكم أحمد هو التهكم الذي صار هادفاً على أساس أن ذلك يعيد بث حياة فيه، لكن هذا لم يُفضِ سوى إلى تأكيده على أنه صار موضوع تهكم، يعني صار، وفي حد ذاته، اسكتشاً كوميدياً، ولا يضحك أيضاً.
(من برنامج “شو الوضع”)هذا ما يظهره برنامج “شو الوضع” الذي يقدمه حسين قاووق، والذي يبدأ بمطلع يشير إلى “وضع” التهكم نفسه: اجترار. يُفتتح البرنامج بـ”إن هذا الإعلان ليس إعلاناً رسمياً للبرنامج، وإن هذه المقدمة عن أن هذا الإعلان ليس إعلاناً رسمياً للبرنامج هي ليست المقدمة الرسمية للبرنامج، وإن هذا البرنامج ليس البرنامج الرسمي للبرنامج”. بالطبع، ثمة “زياد-رحبانية” في هذه الافتتاحية (شي فاشل الخ.)، لكن المهم فيها هو بُعدها الاجتراري، الذي يطبع استكشات البرنامج أيضاً من ناحية كثرة الكليشيهات فيها. فـ”شو الوضع” يتهكم على الظروف المحلية، على ما يدور فيها من باب تصويرها كاريكاتورية. لكن، بما أن هذه الظروف، وفي حد ذاتها، غير متماسكة، فيبدو التهكم حيالها وكأنه يواصلها. فعلياً، “شو الوضع” يكاد يلخص وضع المتهكم الذي ما عاد ذلك الذي يقف في الزاوية ويسخر مما يدور أمامه، إنما هو جزء من موضوعه، جزء من الواقع الرثّ.في الواقع، هناك مشترك بين “فشة خلق” و”شو الوضع”، وهي أنهما يعطيان للمتهكم دوراً ليس له، كما يعتقدان أن هذا المتهكم هو على مسافة مما يتناوله، فتتيح له ان يسخر منه. لكنه، وفي حين إقدامه على ذلك، يكون قد حوّل التلفزيون برامجه إلى مسخرة بحجة إحيائه.

اترك تعليقاً