خالدة سعيد حين تهمش دور منصور الرحباني

خالدة سعيد حين تهمش دور منصور الرحباني

في زمانه، أطلق الشاعر أنسي الحاج، في “ملحق النهار” الأول، “عبادة فيروز”، “كي يكون خلاص وسط غابة اليأس التي دخل اليها”، بحسب تعبير الياس خوري، وهو أي الحاج في كلامه، يبالغ، ليس في حب طرب فيروز فحسب، بل حبها كشخص/ كامرأة، قال: “.. عندما أكتب عن فيروز أرى الموضوع يكتبني عوض أن أكتبه”، و”أحبها بإرهاب”، و”في حياتنا لا مكان لفيروز، كل المكان هو لفيروز وحدها”. و”أنا أركع أمام صوتها كالجائع أمام اللقمة، أحبه في جوعي حتى الشبع، وفي شبعي أحبه حتى الجوع”. “ليتني أستطيع أن ألمس صوتها”… كان أنسي يتحدث عن فيروز كما يتحدث بعض المتصوفة عن (مولانا) جلال الدين الرومي، يكتب عنها كأنها طريقة صوفية وليست مطربة صاحبة صوت جميل..وهذا الأمر أحدث مشكلة في تلك الأيام.
في كتابها “فضاءات/ يوتوبيا المدينة المثقفة 2″(*)، الذي يتضمن مقالاً بعنوان “يوتوبيا فيروز”(الى جانب مقالات عن سبعة وثلاثين مبدعاً لبنانياً)، تتحدث الناقدة اللبنانية من اصل سوري، خالدة سعيد عن عبادة فيروز بشكل عام، الموضوع أيضا يكتبها عوض أن تكتبه، وإن كانت تكتب بلغة أقل جموحاً من أنسي الحاج كونها ناقدة أدبية وليست شاعرة، ولكن تضع فيروز في موضوع القداسة والاسطورة والحلم والمدينة والفاضلة باعتبار أنها “رفعت الغناء الى مراتب سامية وتُسامِتُ القداسة القداسة والنضال”، و”المسافة بين غنائها والصلاة تنويع لا تناقض فيه”… سردت خالدة سعيد جزءاً من مسار فيروز ورمزيتها وعبادتها وحضورها في الوجدان العربي والمشرقي… لا خلاف على كل ذلك، هذا رأيها، بل لا خلاف على طريقة كتابة الناقدة والأكاديمية القائمة على النفس الذاتي والوجداني… ما يهمنا، أو ما نود التركيز عليه، هو حكمها واستنتاجها الذي أحدث ضجة، فهي من دون مواربة، تنحاز إلى فيروز، وفي أكثر من موضع تتحدث عن دور الاخوين رحباني في تجربة فيروز، وتقول “خصوصاً عاصي”، لتصل في موضع وتلغي منصور بشكل مستغرب، تقول “لم تكن فيروز، مجرد مؤدية، هي أيضاً موحية. عاصي الرحباني كان يستوحي شخصيتها ويرسم الدور لها… ثمة تناغم وانسجام بين معظم الشخصيات التي مثلتها وشخصها”. وتقول “حرفياً”: “إن جميع الأدوار المسرحية التي لعبتها، جميعها من تأليف عاصي، حتى في المرحلة الأولى من مرضه، كانت أدواراً تستوحي شخصية فيروز أو ترسم خصيصاً لشخصها”. في هذه الحالة كان سؤال الفسابكة، ما الذي كان يكتبه منصور؟ لا نعرف جواب خالدة سعيد ولا تقدم جواباً في سردها أو مقالها… سواء أكان ما تقوله صحيحا أو مزعوما، أو استنتاجا خاصاً عن أدوار فيروز في المسرحيات، لكن في الواقع والملموس لم تقدم الناقدة أي مرجع شفوي أو كتابي يسند كلامها أو يجعله محكماً، ولم تنسب ما قالته لشخص أو متابع أو مختص أو شاهد، وهي تلح على أقوالها، وتنسب “الدور” الفيروزي لعاصي وحده، لا للاخوين، حتى في مرحلة مرض عاصي، مع أن الجميع يعرف وضعه بعد مرضه، وخالدة سعيد نفسها في هذا الموضوع تكتب الشيء ونقيضه، تنقل أنه بعد مرض عاصي عام 1973، و”بعد انتقال القرار إلى منصور، بقيت فيروز “ست سنوات من الصبر والانتظار بين عامي 1973 و1979 بينت لها أن الاستمرار في هذا الوضع لا يحتمل. مما جعلها تغادر منزلها في الرابية ومعه المكتب أو الاستوديو الفني تاركة وراءها كل شيء، تراث عمرها وعمر عاصي”. وتقول “بحكم الواقع الصحي، بدأ نفوذ منصور وهيمنته يتناميان تدريجيا، ويؤول القرار اليه، وتراجع نفوذ عاصي، وإن ظل عاصي يلحن ويملي النصوص والالحان، مع انه فقد القدرة على الكتابة اليدوية والتعامل مع الحروف والنوتات”. كيف لعاصي ان يملي النصوص والالحان مع انه فقد القدرة؟! كيف يفعل شيئا وهو غير قادر على فعله؟!

بالتأكيد، ليس جديداً السعي إلى ابراز مواهب عاصي ومنصور كل على حدى، وسبق أن عمل عليها محمود الزيباوي واسعد قطان في مقالات ودراسات أتت من منحى البحث العلمي، ووردت بعض المعلومات في هذا المجال، في احاديث لزياد الرحباني والناقد الراحل نزار مروة، ولكن الكتابة عن الملامح الثقافية والموسيقية والشعرية لكل من عاصي ومنصور، لم تكن لتمجيد أحد والغاء الآخر، فهما طالما وصفا بـ”الروح الواحدة”، ونسب الى فيروز يوماً، قبل أن يدب الخلاف، أنها حين سُئلت عن العلاقة والفرق بين عاصي ومنصور قالت: “إنهما متشابهان كحبَّتي المطر”… اليوم هناك بعض الاقلام، تسعى الى أسطرة عاصي وتهميش منصور…
(*) صدر عن دار الساقي في بيروت(**)خالدة سعيد كاتبة وناقدة لبنانية من أصل سوري. من أعمالها: “البحث عن الجذور”، “حركية الإبداع”، “الحركة المسرحية في لبنان”، “الاستعارة الكبرى”. لها بالاشتراك مع الشاعر أدونيس ستّة كتب حول عصر النهضة، وعدد من الترجمات. من إصداراتها عن دار الساقي: “في البدء كان المثنّى”، “يوتوبيا المدينة المثقّفة”، “فيض المعنى”، “أفق المعنى”.

اترك تعليقاً