طارق البيطار: لا شيء يهمّ… بلى بلى…

طارق البيطار: لا شيء يهمّ… بلى بلى…

في بلد كانت كرامات الناس فيه تستباح مثل القطط الهائمة في الأزقّة الواطئة، كان لا بدّ من انفجار مرفأ بيروت كي يستعيد القضاء هويّته المنهوبة ويصبح، من جديد، قضاءً يليق بالناس. ومتى استعاد القضاء قضاءه وانبثق كالمارد من القمقم الذي حبسه فيه المجوس، صارت عمليّة إعادة بناء الدولة التي جوّفوها وانتهكوها وأفرغوها من الدولة عمليّةً ممكنة… صعبة بالتأكيد، لكن ممكنة. هذا هو بيت القصيد في الحملة الشعواء التي تشنّها المافيا اليوم على القاضي طارق البيطار. كلّ شيء آخر بات تفصيلاً، والتفاصيل لا تهمّ.يريد سيّد بعبدا المهجوس بجنون العظمة أن يبقى أو يرحل؟ فليقم بما يحلو له؛ «لا شيء يهمّ»، كما كتب إحسان عبد القدّوس ذات مساء خريفيّ.
يريد رئيس الحكومة أن يستقيل، لأنّ أهل الخليج العربيّ باتوا يقولون جهاراً ما كانوا يهمسون به خفيةً منذ سنين، أو يثنيه الانفعاط المرضيّ بالسلطة عن ذلك؟ «لا شيء يهمّ»، كما كتب ابن روز اليوسف ذات صباح ربيعيّ. يريد المجلس النيابيّ المنزوع الصلاحيّة الشعبيّة والأخلاقيّة أن يجتمع أو لا يريد؟ ويستطيع رئيسه أن يخرج أرنباً جديداً من أرانبه المتآلفة مع الدستور وورق الخسّ أو لا يستطيع؟ «لا شيء يهمّ»، كما كتب صاحب «في بيتنا رجل» ذات يوم.
وذات يوم سوف تخبرون أولادكم أنّ السياسة في وطنكم، هذا إذا بقي شيء من الوطن، تحوّلت إلى حفنة من التفاصيل تتعثّر بتفاصيلها. وسوف تخبرونهم أنّ القضيّة كلّها صارت قضيّة قاضٍ يقف وحيداً في وجه منظومة برمّتها ويقاتل بالصمت والميزان والقلم، أي بالأسلحة التي يرتعب منها المجرمون ويتقزّز البلاطجة من خرم إبرتها؛ يقاتل ونصب عينيه مدينة مستباحة، ومرفأ كليل، وجثث موتى تطفو على صفحة الماء المحروق بشمس آب. طبعاً، سيأتي من يقول لكم إنّ هذا القاضي مفبرك: ميزانه مفبرك، ملفّاته مفبركة، جبينه العريض مفبرك. قاض شجاع من بيت سوريّ قومي عريق فبركه الأميركان على طريقتهم. طبعاً لن تصدّقوا، لا لشيء سوى أنّ الأمور كلّها يمكن فبركتها ما خلا الصلابة والإقدام والترفّع. بيد أنّ القاضي ليس وحيداً. هم يحاولون الالتفاف عليه ويعطّلون كلّ شيء في سبيل إرباكه وتحييده. لكنّهم، وهم يقومون بذلك، يتحوّلون إلى حشرجة تفاصيل باهتة، تافهة، مثقوبة. البارحة، راحوا يتشدّقون ويزبدون حين انتصرت للقاضي حفنة من القضاة، وحفنة من الجنود، وحفنة من الناس الذين ما زالوا يؤمنون بما صدح به الأنبياء قديماً أنّ الحقّ أقوى من الباطل. فالحقّ لامع ألمعيّ بلون الشمس. أمّا الباطل، فبلون الظلام الذي لا لون له.سيأتي يوم تسردون فيه على مسامع أولادكم كيف قاوم المحقّق العدليّ الباطلَ باحتمالات الصمت. وسوف تخبرونهم كيف انتصر للعدل في بلد قلّ فيه العدل واضمحلّ فيه الملك، كأنّ القاضي هو صخرة الروشة، أو كأنّه جلمود الصخر الذي تغنّى به جدّنا امرؤ القيس، شاعر العرب العظيم. لن تحتاجوا، كما في الماضي، أن تتحايلوا بالكذب على الحكايات محوّلين تاريخ السفهاء في تاريخكم إلى بطولات. فالكلّ يعرف أنّ تاريخكم يعجّ بالسفاهة ويفتقر إلى الأبطال. حسبكم أن تستحضروا حكاية القاضي الذي انتصب وحيداً أمام المرفأ المدمّر كي يعيد للأغاني التي يخاف منها الطغاة معانيها، وكي يواسي المدينة التي تفجّعت كالثكلى ذات مساء، وانهمرت على بحرها من فرط الحزن. ثمّ هتف بالثعبان الذي ما زال يحاول تطويقه واجتثاثه والانقضاض عليه: “لا شيء يهمّ، يا سيّدي الثعبان. بلى بلى، وحده العدل يهمّ…”.

اترك تعليقاً