طوابير جوازات السفر: تجارب مريرة للفرار من لبنان

طوابير جوازات السفر: تجارب مريرة للفرار من لبنان

بعد هجرة ربع مليون لبناني من البلاد منذ مطلع 2021، تشير إحصاءات الأمن العام اللبنانيّ إلى أن عدد جوازات السفر المصدرة منذ مطلع العام نفسه ولغاية شهر آب، بلغ نحو 260 ألف جواز سفر، مقابل نحو 142 ألف جواز سفر في المدة نفسها من عام 2020، أي بزيادة نسبتها 83 في المئة.
تجارب مريرةوبدأ الطلب على جوازات السفر يرتفع في العام 2021، لأسباب كثيرة. ففي عام 2020 أقفلت بلدان عدة حدودها تفادياً لانتشار جائحة كورونا. وأدى انفجار آب في مرفأ بيروت إلى تزايد رغبة اللبنانيين في الهروب من بلدهم، بحثاً عن بلد يوفر لهم الأمن والطمأنينة، ناهيك عن الأزمات المتتالية التي بدأت تظهر يوماً تلو آخر: فقدان الأدوية، أزمة البنزين والخبز، إلى موت الليرة اللبنانيّة مقابل ارتفاع سعر الدولار الأميركي، والتضخّم المالي وإقفال المدارس والجامعات، ومن ثم حادثة الطيونة الدامية، وأخيراً توقع انقطاع الأنترنت. وهذا إضافة إلى أن سعر الدولار بات يشكل عامل جذب للمقيمين خارج لبنان لتجديد جوازات سفرهم بمبلغ لا يتعدى 25 دولاراً، بعدما كان تجديده يبلغ نحو 340 دولاراً.
وقد يبدو الخوف الأمني السبب الرئيسيّ للطلب المتزايد على جوازات السفر، لأن معظم اللبنانيين باتوا يخشون من انفجارات تهدّد حياتهم، إضافة إلى انخفاض قيمة الأجور. وهذا ما دفعهم إلى البحث عن فرص عمل أوسع خارج لبنان، لتأمين حياة كريمة. وهناك أيضاً خوفهم من توقف الأمن العام عن إصدار الجوازات، بسبب نفاد ورق التجليد أو الحبر المخصصين لها. وهذا بعدما خبروا مشقة توقف إصدار إخراجات القيد، واضطرار البعض إلى الحصول عليها من السوق السوداء بقيمة مليون ليرة، بعدما كانت كلفة إخراج القيد لا يتعدى 20 ألف ليرة لبنانيّة. لذا فضّلوا الانضمام إلى طوابير جوازات السفر قبل فقدانها.الأمن العام يوضحمن جهته، طمأن الأمن العام اللبنانيين إلى أن لا أزمة في الحصول على جوازات سفر، وحصر السبب الأساسي في تأخر إصدارها بالضغط الهائل على مراكز الأمن العام، وخاصة في مركز العدلية الذي يؤمن جوازات فورية. فالطلبات تزايدت 3 أضعاف عن السابق. وأكّد الأمن العام أن لا صحة لكل الأقاويل حول نفاد جوازات السفر أو التوقف عن إصدارها أو ارتفاع سعرها. فالتسعيرة الرسميّة لا تزال على حالها: 60 ألف ليرة لجواز مدة صلاحيته سنة واحدة، 200 ألف لمدة 3 سنوات، و300 ألف لمدة خمس سنوات، ولمدة عشر سنوات 500 ألف.
وقد أصدرت المديرية العامة للأمن العام تعميماً في شأن استقبال طلبات الحصول على جوازات السفر الفورية أو إبدالها في دائرة العلاقات العامة، وحصرها فقط بالمواطنين الحائزين على تذاكر سفر مقفلة وإيصال يثبت دفع ثمنها. وذلك لتخفيف الضغط الحاصل في مركز العدلية.تخلي ليبان بوستمن جهة أخرى، أعلنت مراكز ليبان بوست -وهي تُعنى بتأمين خدمات الأمن العام وتسهيلها على المواطنين مقابل بدل مالي- أنها أوقفت خدمة تجديد جوازات السفر منذ حوالى شهر ونصف الشهر، وإلى مدة غير محددة. وذلك بأمر من الأمن العام. وأوضحت أن السبب الرئيسي هو عطل تقني لا أكثر. وقد استمرت في خدمة توصيل جوازات السفر من مركز الأمن العام إلى سكن الزبون فقط.انتظارات مضاعفةلكن السيدة بتول شكت من أنها قصدت الأمن العام في الخامسة صباحاً للحصول على رقم يخولها الدخول إلى مبنى الأمن العام، بعد الذلّ الذي عاشته يومياً في انتظارها 6 ساعات أمام محطات الوقود ليحين دورها. واليوم تتجدد معاناتها للحصول على رقم لتجديد جواز سفرها.
وبتول في الـ25 من العمر، وتعمل في شركة محاسبة وتتقاضى مليوناً ونصف المليون شهرياً. وبسبب ارتفاع سعر الدولار بشكل جنوني، قررت تجديد جواز سفرها للهجرة إلى خارج لبنان، علّها تجد بلداً يوفر لها فرصة عمل بمردود أفضل. وبعدما جهّزت الأوراق المطلوبة، قصدت الأمن العام القريب من بيتها في الضاحية الجنوبية في الخامسة صباحاً. كان أمامها عدد قليل من المواطنين، وبعد وقت قصير بدأت الجموع بالتوافد. انتظرت في طابور طويل وهي تضع كمامتها الطبية مخافة أن تصاب بكورونا من جديد. حصلت على رقم 5، وبعدما فتح مركز الأمن العام أبوابه في الثامنة صباحاً، انتظرت من جديد نحو نصف الساعة لحين وصول دورها. وطلبوا منها الحضور بعد شهر للحصول الجواز.
وهي تقول: أنتظر فرصة الهروب من لبنان على أحرّ من الجمر. لا شيء يصلح للعيش هنا. هذا البلد لم يعد لنا، بل هو لأصحاب السلطة وللفاسدين. أما أحلامنا وطموحاتنا فبابها مطار رفيق الحريري نحو أي بلد يحترمنا!حامل في طابور الباسبوراتوهذه نور قانصو تعرب عن خجلها من الوقوف طوابير الذل في لبنان. وهي متزوجة ومقيمة في ألمانيا، وقد جاءت إلى لبنان في زيارة عائلية، ولكن الوضع المزري فاجأها. وتقول: قبل أن أحجز بطاقة سفري إلى بيروت، أخبرني إخوتي أن الحصول على أي شيء في لبنان يحتاج للوقوف في الطوابير. وها أنا أقف في طابور لأتمكن من تجديد جواز سفري الذي ينتهي تاريخه قريباً. لكنني لم أتوقع قط أن الانتظار في الطابور قد يستغرق سبع ساعات أو ثمانية!
ولما قررت أن تقصد مركز الأمن العام القريب من سكن عائلتها، أخبروها أنه بإمكانها الحصول على جواز سفرها فورياً إذا قصدت مركز العدلية، لأن لديها بطاقة سفر. لذا قصدت مركز العدلية، حيث أنتظرت طويلاً. وهي تقول: أنا حامل، ولا أستطيع الوقوف والتعرض لجهد. وقد حضرت فجراً للحصول على رقم يخولني الدخول السريع. وهناك عدد محدود من الأرقام للدخول. يعني “إنت وحظّك”. ولم يكن الانتظار سهلاً، وأحسست بدوار شديد، لأن ولادتي قريبة. وأنا بحاجة إلى دخول المرحاض تكراراً. وقد عجزت عن ذلك مخافة من أن أفقد دوري.
وأضافت نور: أفكر في عدم العودة إلى لبنان أبداً. سأكتفي برؤية إخوتي على شاشات الهواتف الذكيّة وسأسعى جاهدة لأن أساعدهم في مغادرة لبنان والهجرة بعيداً.

اترك تعليقاً