عباس مظلوم ضحية جديدة لمجزرة المرفأ.. واستشراس بعرقلة التحقيق

عباس مظلوم ضحية جديدة لمجزرة المرفأ.. واستشراس بعرقلة التحقيق

عباس مظلوم، اسم جديد ينضمّ إلى قافلة ضحايا وشهداء انفجار مرفأ بيروت. مكث الرجل، منذ جريمة 4 آب، على سريره. كسور في فقرات ظهره، شلل تام بالرجلين، تعب لا يفارقه. استمرّت رحلة الوجع لـ450 يوماً، وانتهت اليوم بهذا الخبر المؤسف. خضع لعمليّتين جراحتين زادتا معاناته. أسلم الروح اليوم، وترك أولاده الخمسة الذين لم يتجاوز كبيرهم سنّ العشرة أعوام. وعلى ما يبدو، فإنّ قافلة الضحايا والشهداء لا تشبع من مشاويرها في شوارع العاصمة، ولا من زيارة مختلف المناطق اللبنانية. فزارت بريتال اليوم وحملت معها عباس، الشاب الثلاثيني المتواضع، الذي كان يعمل في أحد مطاعم الجميزة. ضحية جديدة للانفجار سقطت اليوم، بينما تستمرّ كل محاولات عرقلة التحقيق وكشف الحقيقة والبحث عن العدالة.مستجدات العرقلةكان يفترض أن يكون يوما غد الخميس وبعده الجمعة، حاسمين لجهة استدعاء كل من رئيس الحكومة السابق حسان دياب والوزيرين السابقين غازي زعيتر ونهاد المشنوق المدعى عليهم في ملف مجزرة 4 آب. إلا أنّ الوكلاء القانونيين لعدد من المدعى عليهم تحرّكوا اليوم معلنين مجدداً عرقلة الاستجوابات بالوسائل القانونية المتاحة، وبالحقوق التي تكفلها لهم النصوص القانونية. فكانت دعوى مداعاة مخاصمة الدولة، تقدّم بها وكلاء دياب، وأخرى لتحديد المرجع القضائي لردّ المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، تقدّم بها وكيل الوزيرين السابقين زعيتر وعلي حسن خليل. لتضاف إلى طلب الردّ المبهم الذي تقدّم به وكلاء الوزير السابق يوسف فينانوس أمس، رافضين الخوض فيه في الإعلام.مداعاة الدولةكانت خيارات فريق الدفاع عن الرئيس دياب قليلة لمواجهة موعد الاستجواب الذي حدّده البيطار يوم غد الخميس. من بين هذه الخيارات، اتّخذ فريق الدفاع خيار “مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القضاة العدليين”، حسب الفصل الرابع من قانون أصول المحاكمات المدنية. فتقدّم المحاميان النقيبان السابقان للمحامين في بيروت أمل حداد وفي الشمال رشيد درباس، بهذه الدعوة بناءً على المادة 741 من هذا القانون التي تنصّ على أنه “تجوز مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القاضي سواء كان ممن يتولون الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة في جميع الحالات التي يجيز فيها هذه المداعاة”. واعتمد الوكيلان على البند الرابع من هذه المادة، أي بفعل “الخطأ الجسيم الذي يفترض أن لا يقع فيه قاض يهتم بواجباته الاهتمام العادي”.وقف استجواب ديابأما سبب اللجوء إلى هذا الخيار، فهو فعلياً وقف جلسة استجواب دياب يوم غد. إذ أنه فور تبلّغ القاضي البيطار بالدعوى، تسقط حكماً صلاحيته تجاه الجهة المدعّية بالمادة 741. فتنصّ المادة 751 من الفصل نفسه، على أن “يكون القاضي المنسوب إليه سبب الدعوى التدخل في المحاكمة في أي وقت لإبداء أقواله ‏وطلب الحكم له بالتعويض ضد المدعي عند الاقتضاء..”. لكن أهم ما فيها أنه “لا يجوز للقاضي المنسوب إليه سبب الدعوى منذ تقديم استحضارها أن يقوم بأي عمل من ‏أعمال وظيفته يتعلق بالمدعي”. ما يعني أنه بإمكان البيطار استكمال تحقيقاته واستجواباته ما خلا تلك المتعلّقة بدياب. فنجح الأخير، من خلال هذه الدعوى، بالتملّص من جلسة الغد، بانتظار ما سيصدر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز الناظرة فيها.طلب تعيين المرجعوعلى صعيد آخر، تقدّم اليوم وكيل الوزيرين السابقين النائبين الحاليين غازي زعيتر وعلي حسن خليل بدعوى لتعيين المرجع، بناءً على الفاصل الثامن من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وهدف الوزيرين من هذه الدعوى تحديد المرجع القضائي الصالح من أجل التقدّم بطلب ردّ ضد القاضي البيطار، بعد إسقاط طلبي ردّ في غرفتين من محكمة التمييز وطلب ثالث في محكمة الاستئناف. دعوى تعيين المرجع تنظر فيها الهيئة العامة لمحكمة التمييز، إلا أنها لا تعرقل عمل المحقق العدلي. إذ تنصّ المادة 337 على أنه “عندما يتبلغ المرجعان القضائيان الواقع بينهما الخلاف طلب تعيين المرجع يتوقفان عن إصدار قرار نهائي في ‏الدعوى. أما التدابير المؤقتة والتحقيقات فيمكن متابعتها حتى صدور القرار القاضي بتعيين المرجع المختص”.مصير جلستي الجمعةبناءً على ما سبق، يتّضح أن جلستي يوم الجمعة، لاستجواب زعيتر والمشنوق لا تزالان قائمتين. إلا في حال قرّر رئيس الغرفة 12 في محكمة الاستئناف، القاضي نسيب إيليا، عدم ردّ طلب الردّ المقدم أمس من الوزير السابق يوسف فنيانوس بحق البيطار بالشكل. فإذا قرّر إيليا النظر في طلب فنيانوس، سيكون تبليغ القاضي البيطار بطلب الرد جاهزاً قبل يوم الجمعة. مع العلم أنه سبق لإيليا أن أسقط طلب ردّ مقدم من قبل الوزير المشنوق.لعبة بيلياردويوضح كل ما سبق أنّ في عرقلة ملف التحقيق في جريمة 4 آب، لعبة بيلياردو تقوم بها الجهات المدعى عليها، تقوم بإغراق المحقق العدلي بالدعاوى وطلبات الردّ والارتياب المشروع، إضافةً إلى عنصري تعيين المرجع ومداعاة الدولة. فعندما يعجز مدعى عليه عن التهرّب وحده من الاستجواب، يسانده زميله آخر له. فتجدر الإشارة هنا إلى أنّ آخر دعاوى مخاصمة القضاة كانت على الأرجح عام 2000 في قضية الادعاء على وزير المال حينها فؤاد السنيورة في ملف محرقة برج حمود. أما آخر دعاوى تعيين المرجع فكان في قضية الوزير السابق شاهي برصوميان عام 1999 في ملف الرواسب النفطية. كما يُغرق هذا الفريق وكلاء الدفاع عن الضحايا والشهداء والمتضررين بالأوراق والمعاملات.
قد يدخل ملف التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت كتاب “غينيس” للأرقام القياسية على مستوى محاولة عرقلة التحقيق، ومنع عمل المحقق العدلي في الملف. ففي مفهوم العرقلة، وإن كانت قانونية وبناءً على نصوص ومواد وحقوق مصحوبة بهول الضغوط والحملات والتهديد، هي إغراق الملف وتضييعه. إغراق المحقق العدلي بالدعاوى. إغراق فرق الدفاع بالمعالمات. إغراق المعنيين والناس عموماً بالتفاصيل غير المجدية. إغراق الساحة السياسية بأحداث وتحوّلات ودعاوى متوازية. وصولاً إلى إغراق الجميع ببركة دماء كبرى قد تكون طليعتها أحداث 14 تشرين الأول. فعندما تجد السلطة السياسية نفسها غريقة، تحاول إغراق الجميع معها.

اترك تعليقاً