عتمة المجموعات اللبنانية

عتمة المجموعات اللبنانية

تفتقر ثقافتنا إلى الحرية، وتغيّب الطوعية الواعية عن ممارستنا السياسية، لذلك يُكتفي بالقول: “ظلم بالسوية، عدل في الرعية”… وهذا القول معادل لجملة ارتكاسية أخرى هي: إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون.
مدعاة هذين الاقتباسين سياسة العتمة الطوائفية، التي تطفئ كل شموع التقدم الوطني، وتكتفي، من يومياتها، بتوزيع العتم على جمهورها ومناطقها. منطق العتمة الطائفية، يضم بين سطوره المحسوسات، من قبيل الكهرباء، والحشد الغرائزي الجماهيري، والخطب التحريضية والتعبوية،… مثلما يشتمل على المتخيل الإيديولوجي، والماضي الأسطوري، والطموحات الفئوية، غير المشروعة… بالقياس إلى شرعية الطموحات الوطنية العامة. مع الطوائفيات وممثليها والناطقين باسمها، يصح القول: “عتمة بالسوية تخلف الرعية”… مما يحيل إلى استنتاج بائس، هو أن الطوائف لا تركن إلى عدل تخلفها الخاص، إلاّ عندما تستوثق من شيوع عدالة التخلف في أرجاء كل طائفية على حدة.التضليل ودوامهفي مقام الطوائف، تفقد العتمة بعضاً من معانيها الجميلة. فهي تكف عن أن تكون مساحة خيال، أو فسحة تأمل، أو حيز حميمية خاصة، أو حاضنة ولادة، لأفكار تسلس القياد لصاحبها تحت جنح الظلام… ما تقدمه العتمة الطائفية، يخالف كل ذلك. وما يبقى من الديجور الطائفي الريبة والغموض، واستشعار الخطر والتوجس من الطارق الليلي… لذلك، تقيم الطوائف نقاط حراساتها على تخوم حدودها، صوناً للذات، ودفاعاً عن الخصوصية الفردية. مسالك العتمة اللبنانية كثيرة، فهي تحتل المستوى السياسي، وتدير يومياته. الدليل على ذلك، أن ما من سياسي يستطيع أن يحدد المآل الأخير لوجهته الفردية، مثلما لا يستطيع أن يجادل الآخرين، في هدف وجهته “الجمعية”. هكذا تحمل التصريحات والكلمات، المعنى وعكسه، وتوحي بالممارسة المحددة وضدها. في العتمة السياسية، يقيم الإبهام السياسي، الذي هو أقصر السبل وأنجعها، لإدامة التضليل، ولإدارة ما يتوافق اللبنانيون على تسميته: التكاذب السياسي.
تقيم العتمة أيضاً، في رحاب المجموعات اللبنانية، التي تعاند “الجمع”، وتستمرئ سياسة “الوحدانية”. أفكار المجموعات عن ذاتها وعن غيرها، ملتبسة، أي أن خطة سيرها للوصول إلى مقاصدها، مقصرة وعاجزة ومرتبكة، ثقافياً وبنيوياً، واجتماعياً.. وعلى كل صعيد وطني، يمكن أن يتضمن الخاص، فقط، على خلفية تجاوزه، إلى ما هو أرقى منه، ومتقدم عليه. عن العتمتين، في المطرحين السالفين، تنجم عتمة ثالثة، خططية، ولنقل تعسفياً، برنامجية. فالبرنامج إذا وجد، والخطة التي تضمن الوصول إلى الهدف، إذا ما نصّ عليها، يفترضان استحضار الجمهور، استحضاراً واعياً.. ولكي يتحصل الوعي، ينبغي أن يتوفر الاطلاع، وأن تكون المعرفة متاحة، وباب الوصول إلى المعلومات مفتوح… هذا بمقياس النور، الذي يريد للمجموعة أن تكون لذاتها. وبمقياس التنوير الذي يعجل خروج المجموعة من أن تظل في قوقعة “ذاتها”.أحلام يقظةلكن من شروط العتمة الطائفية المعممة، تتناسل ظروف وشروط أخرى، لازمة وضرورية، من تعبيراتها: استبعاد الجمهور عن الاطلاع، وحرمانه من حق المساهمة في صناعة الخيارات، وتحريره من عبء المقابلة بين السياسات، وإبقاؤه في مواقع السلب المكفهرة، بواسطة خطب طائفية، وضوحها ساطع، ومآلها واضح العتمة. هكذا تصنع الطوائف ليل جمهورها، بنهار مفرداتها النافرة، وتلبس أجساد جمهورها، الفتي والنابض، ما تخيطه من نسيج موروثاتها البالية. إلا أن اللافت، هو غياب التناقض بين الجمهور “المضلّل”، وقيادته “التضليلية”. وما نحسبه افتراقاً موضوعياً، يأتي حسابه في زمان آجل، يتجسد انسجاماً راهناً، بين “القائد ورعيته”. يحسن الانتباه، بناءً على هذه الواقعة، إلى الخلل في المعادلة التي يقول بها البعض، وموجزها: “الشعب متقدم على قياداته”، والأصح الذهاب إلى التحليل المتأني للظاهرة، التي تقول بانسجام الشعب مع حكامه. الفرق بين “الحكمين” الآنفين، هو الفرق بين ملاحظة الواقع الصعب الحقيقي الذي يتطلب جهداً لتفكيكه، ومعاندته، وبين الانصراف إلى أحلام “يقظة جماهيرية”، تشبع “المثقف النائم” فتساهم في إطالة زمن نومه! النكوص اللبنانيعن “لسان العرب”: عتم الرجل عن الشيء، أي كفّ عنه، بعد المضيّ فيه، والعتمة، هي الإبطاء، وأعتم صاحبه وعتمه، أي أخّره. ينطبق ما ورد على أحوالنا اللبنانية، فكل ما فيها مؤجل، وكل حركة إلى الأمام مستأخرة، وكل ما باشرته الكيانية اللبنانية، على الأقل منذ استقلالها ضمن إطار جغرافي محدد المعالم، متوقف وأصحابه كفّوا عنه، عجزاً عن المضي فيه، أو استهوالاً لنتائج مسيرته، المفضية إلى مخاطر ليست في الحسبان. على معنى التوقف، أو المراوحة التي هي المعنى الآخر للتراجع، يمكن القول إن اللبنانيين سلكوا سبيل الاستقلال، ثم أحجموا. وإنهم طرقوا أبواب الحداثة، ثم تراجعوا. وإنهم عرفوا سبل الاندماج الوطني ثم انتكسوا. وإنهم عاشوا ألواناً من الحرية، أرادوا تحويلها إلى نمط من الديمقراطية، ثم نكصوا.
على كل المعاني التي سبقت أعلاه، صار اللبنانيون إلى العتمة، التي هي أيضاً “الثلث الأول من الليل، بعد غيبوبة الشفق”. أي أن اللبنانية بمضامينها، ما زالت، بعد عقود، في مطلع لياليها الحالكة.
ومن “لسان العرب” أيضاً، أن ليلى تعني أشد ليالي الشهر ظلمة. وأن ليلةً ليلاء وليلى، يعني أنها طويلة وشديدة الصعوبة. كما أن ليلى هي النشوة وابتداء السكر… يظهر أن الوضع اللبناني، يتضمن “ليلى” على معانٍ متعددة. لذلك فإن عتمة اللبنانيين، تحيل إلى معنى الغفلة، على انتشاء من سكر، أو على لعق الدم الذي يتيحه لحس المبرد الطائفي… في كل مكان.

اترك تعليقاً