عودة خرافة اللبناني “المزتوت”

عودة خرافة اللبناني “المزتوت”

لطالما ربطت ما يمكن تسميته بدون دقة الايديولوجيا اللبنانية هويتها بخرافة تدور حول حاملها، مفادها، وكما تقول عبارة معروفة، أن اللبناني “وين ما زتيته بيجي واقف”. فهذا اللبناني، ومهما كانت الظروف، التي يمر بها، واينما اودت به هذه الظروف، أو بالأحرى أينما نقلته الى مكان بعيد او قريب غير بلده، في وسعه ان يجد ذاته، أن “يظبط” محله، وأن يعيش. كان هذا اللبناني النموذجي يحيل، ومن باب الفكاهة، الى ذلك الكائن الذي تحدث عنه مارتن هايدغر في يوم من الايام: المرمي، ولكن، حاله هذه، لا تفضي به سوى إلى خروجه منها، إلى وقوفه، إلى تدبره أمره.بالطبع، اول ما تدفع اليه خرافة اللبناني هذا هو صياغة اشكالية بسيطة تتعلق به: وقوفه، ولكي يتحقق، لا مناص له ان يكون مسبوقاً بزته. بالتالي، من الضروري ان يكون اللبناني ذاك مزتوتا لكي ينوجد، اي ان زته هو الظرف الرئيس، الذي يتعلق عليه وجوده. على هذا النحو، اللبناني على صلة مباشرة بزته، ولا يمكن له ان يحضر من دونه. ولكن، وضعه هذا قد يهدده، بمعنى أن زته قد يختزل كل وجوده: يصير مزتوتا، ويصير عاشقاً لزته ايضاً. فعلياً، هذا ما حصل للبناني، وهذا، ما تشير اليه، لا مراحل حروبه، انما مراحل سلمه، التي تقوم بتغلب زته على وقوفه، وتغلبه هذا يساوي انه يرادفه. فاللبناني الموجود هو اللبناني المزتوت، وهو، بذلك، يكون قد اخذ بخرافته الى عقبها، حيث يلتقي طرفي دورتها، يعني زته ووقوفه، يتطابقان معاً. لقد انتهت تلك الخرافة بهذا الشكل، وعندها، تحول نقدها، ونقد مشروعها، الى ما يشبه دحض الهواء. فصحيح ان المرتكزين عليها قد يظهرون هنا او هناك، في مقالة او اغنية او قصيدة او خطبة مثلا ً، ولكن، هذا لا يعني انها لا تزال تشتغل، بل اضحت خرافة عاطلة عن انتاج لبنانيها، الذي يجعل من زته طريقه الى وقوفه. ما عاد هناك طريق، بل تحول الى قاع يغالي اللبناني ذاك في الاصطدام به بعد زته: مغالاة الاصطدام بالقاع كاضمحلال القاع. كما لو ان اللبناني ليس سوى مزتوت، ولا شيء يضع حد لكونه كذلك.الا ان انحسار خرافة اللبناني لا تعني انها لا ترجع وتحاول التشكل، اذ انها، ومن قلب موقف لبنانيها كمزتوت، تتطلع الى مغادرة عطالتها، واعادة الاشتغال حياله. ففي حين ان لبنان يتكشف عن انهياره، وفي حين الا افق لكل ما يتخبط به داخل هذا الانهيار، بدا ان تلك الخرافة قد وجدت في وضعه هذا وضعا موائما لها. على هذا المنوال، عادت هذه الخرافة بسردية جديدة، يمكن روايتها هكذا: العالم سيذهب عاجلا ام آجلا الى انهياره بفعل النظام الراسمالي الذي يحكمه، اي انه سيذهب عاجلا ام آجلا الى ما يعيشه اللبناني الآن، وفي النتيجة، هذا اللبناني “سابق عصره”، بحيث يقاسي ويكابد ما سيقاسيه ويكابده اغياره اينما كان لاحقا. فمهما تمرحل ذلك العالم، ومهما سعى الى كبح رأسماليته، ومهما طُرحت حلول لأزماته، “مرجوعه” لبنان، اما، مواطنه، فليس سوى ذلك اللبناني المزتوت، الذي لا بد له ان يتعلم منه كيف فعل وتعايش مع الانهيار. اللبناني، مثلما تنتجه الخرافة بسرديتها الجديدة، هو الذي سيعطي العالم دروساً في كيفية مواجهة مصيره بعد ان حدده نظامه.
انه تغير في الخرافة، في وجهتها: من اللبناني الواقف بعد زته اينما كان في العالم الى اللبناني الذي سينقذ العالم بعد زته. ولكن، هل هذا يعني ان تلك الخرافة، التي لطالما كانت يمينية، قد صارت يسارية؟ في الواقع، هي تذكر بما قاله جبران باسيل مرة حول “تعليم الغرب ادارة بلد بلا موازنة”، فاللبناني هو الذي يدير الانهيار الى درجة انه صار في وسعه تعليم ذلك، اي تعليم كيف يصنع هذه “المعجزة” بلا ان يقدمها كـ”معجزة”، إنما يعلمنها اذا صح التعبير، ويجعلها موضوعاً يخضع لقواعد وقوانين يمكن تدريسها، او نقلها الى من يحتاج اليها. ولكن، تذكير الخرافة بتصريح باسيل ليس ما بطبعها بيمينيتها على الرغم من كونها تنطوي على كيفية التعامل مع ما انتجته الرأسمالية، اي الانهيار، انما شيء اخر. فأحمق كإريك زيمور، وحين يريد ان يتحدث عن مصير فرنسا في حال لم تتمكن مما يسميه “هويتها الوطنية”، يشير الى انها ستصير كلبنان، ستصل الى انهيارها بعد ان تشهد حروبا اهلية وفساداً وبؤساً. بالتالي، يندرج حديث زيمور هذا في سياق تلك الخرافة، بحيث ان مستقبل فرنسا، وكمستقبل العالم، هو الانهيار، الذي يبدو اللبناني انه، ومن قلبه، سيكون المواطن-الملك بسبب تجربته فيه. بيد ان الخرافة، وحين تجد صدى لها في حديث زيمور، فهذا ليس المرد الوحيد ليمينيتها، التي تتحدد فيها على اساس ما تشير اليه حول اللبناني اياه. فهو الذي له تجربة العيش في الانهيار، التي “سيبهر” العالم بها، وهذه التجربة تعني انه لم ينصرف من الانهيار، بل بقي فيه، وكون كل هويته بالانطلاق من هذا. فالهوية اللبنانية، بحسب الخرافة ذاتها، هي جوهرة الزت، وجعله على قيمة متواصلة، بحيث فقدانه يودي الى فقدانها. كل هذا ليس مغادرة للرأسمالية، انما رسوخ فيها، وما هذا الرسوخ سوى معادلا للعودة الى ما قبلها، وإلى الكثير من الخرافات.

اترك تعليقاً