لبنانيّو الخليج “على أعصابهم”: لا ترحيل حتى الآن

لبنانيّو الخليج “على أعصابهم”: لا ترحيل حتى الآن

عاش اللبنانيون في دول الخليج كابوس الترحيل بشكل لافت بدءاً من العام 2011، مع انطلاق الثورات والاحتجاجات في أكثر من بلد عربي. إذ رفع الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، حدّة خطاباته ضد دول الخليج، وتحديداً السعودية والإمارات، وتلتهما البحرين. حتى انفجرت الأزمة يوم الجمعة 29 تشرين الأول، حين أعلنت السعودية سحب سفيرها من لبنان، وإمهال السفير اللبناني في الرياض 48 ساعة للمغادرة، فتبعتها البحرين بعد ساعات، وأمهلت الكويت السفير اللبناني 48 ساعة للمغادرة، يوم السبت.حبس الأنفاسالشرارة لم تأتِ هذه المرة من نصرالله، بل من وزير الإعلام جورج قرداحي الذي رفض الاعتذار عن اعتباره أن “الإمارات والسعودية تعتديان على اليمن”، ورفض الاستقالة من الحكومة. فأثار سحب السفراء موجة ذعرٍ بين اللبنانيين المقيمين في دول الخليج. فالترحيل رعبهم الدئم، وتحديداً في ظل الانهيار الاقتصادي والنقدي في بلدهم.
ورغم المواقف السلبية من حزب الله وداعميه تجاه دول الخليج، لم تبادر تلك الدول إلى ترحيل اللبنانيين، إلا من ثبت لها إنه على صلة مباشرة بالحزب أو يطلق مواقف سياسية داعمة له، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو يروّجون للحزب في المجتمعات التي يعيشون ضمنها. وما يُحكى عن ترحيل، لم يحصل على مستوى جماعي، فمئات آلاف اللبنانيين ما زالوا يعيشون ويعملون في الخليج، وإن بقلق وخوف.ومع أن ردّ الفعل السعودي تخطّى ما كان متوقّعاً، إلاّ أن المملكة سارعت إلى تطمين اللبنانيين عبر تأكيدها “حرصها على المواطنين اللبنانيين المقيمين في المملكة، الذين تعتبرهم جزءاً من النسيج واللحمة التي تجمع بين الشعب السعودي وأشقائه العرب المقيمين في المملكة”. وفصلت المملكة بين اللبنانيين المقيمين على أراضيها وبين ما يصدر عن السلطات السياسية، مشيرة إلى أنها “لا تعتبر أن ما يصدر عن السلطات اللبنانية معبراً عن مواقف الجالية اللبنانية المقيمة في المملكة والعزيزة على الشعب السعودي”.المقيمون في الخليجيتفاوت توزيع أعداد اللبنانيين في دول الخليج. فتأتي السعودية في المقدمة، حيث يقيم فيها نحو 300 ألف لبناني، ثم الإمارات بنحو 200 ألف مقيم. وفي المرتبة الثالثة الكويت التي تضم نحو 50 ألف لبناني. أما قطر فتأتي رابعاً بنحو 25 ألف لبناني، ثم البحرين بنحو 5 آلاف لبناني، وسلطنة عمان تحل في المرتبة الخامسة بنحو 4 آلاف لبناني.
يرسل هؤلاء نحو 60 بالمئة من مجمل تحويلات المغتربين اللبنانيين حول العالم، والتي تشكّل في مجموعها نحو 20 بالمئة من الناتج المحلي. علماً أن قيمة التحويلات الخارجية تتفاوت بين الأرقام الرسمية التي تشير إلى تحويل ما بين 7 إلى 8 مليار دولار سنوياً، وبين الأرقام غير الرسمية التي تشير إلى دخول نحو 12 مليار دولار. ويأتي هذا التناقض بفعل دخول أموال عبر قنوات غير رسمية، وفي مقدّمتها الحقائب عبر المطار، والداخلة بطرق منظمة يغطيها انتشار الفساد.الخوف على الأموالوبالتزامن مع قراريّ السعودية والبحرين، سَرَت أنباء عن وقف التحويلات من السعودية إلى لبنان، لكن ظهرت عدم صحّتها، مع شائعات أخرى ترجّح إطلاقها لتحفيز المغتربين في تلك الدول على تحويل دولارات إلى لبنان وإتاحة الفرصة لمصرف لبنان للاستفادة منها، في ظل قراره الذي يسمح لشركات التحويل بإعطاء صاحب التحويلات دولاراته بالليرة وفق سعر صرف السوق، على أن يشتري المصرف المركزي تلك الدولارات لتعزيز موجوداته الدولارية.لم تشهد التحويلات زيادة تُذكَر، لكن عدداً كبيراً ممّن تواصلت معهم “المدن”، أكّدوا نيّتهم تحويل ما أمكَن. لكنهم يقعون بين نارين، نار عمولات التحويل التي سترتفع مع ارتفاع المبالغ المحوّلة عمّا اعتادوا عليه سابقاً، والنار الثانية هي “تكديس الأموال في المنازل. وهذا خطر على عائلاتنا في لبنان. فليس من السهل وضع مبالغ كبيرة تفوق أحياناً الـ20 ألف دولار، في المنزل”. أما البنوك فباتت خياراً مستحيلاً.
ما يخشاه الشبّان أو العاملون في وظائف يتقاضون منها رواتب شهرية، لا يخشاه رجال الأعمال لأن “حركة أموال رجال الأعمال في المصارف الخليجية تختلف عن حركة الرواتب. والنظرة لرجال الأعمال تختلف”، وفق ما يقوله أحد رجال الأعمال اللبنانيين في السعودية. لكن الطمأنينة الحالية “لا تعني الاستبعاد النهائي لأي قرار سعودي أو خليجي تجاه رجال الأعمال. وقد يكون قراراً خاصاً يستهدفهم، فيما يُسمَح للموظفين العاديين بتحويل أموالهم باعتبارها مصدر عيش شهري، وإن فاضت ببعض مئات الدولارات شهرياً”.التعلّق بقشّةكل الاحتمالات مفتوحة، وتحديداً بالنسبة للمغتربين الشيعة، موظفين أو رجال أعمال. فهؤلاء محسوبون على حزب الله وبيئته وإن كانوا ضدّه سياسياً وعقائدياً. وما يُثلج قلب هؤلاء، هي التصريحات الأميركية والأوروبية. إذ أشار المتحدث باسم الخارجية الأميركية سامويل وربيرج إلى أن “الولايات المتحدة تحث الدول العربية وخاصة السعودية والإمارات والدول في المنطقة على التواصل مع الحكومة اللبنانية”. كما دعت الولايات المتحدة وفرنسا الحكومة اللبنانية إلى عدم الاستقالة. وهو ما يشكّل قشّة يتعلّق بها الغارقون في القلق، ويرونها كطوق نجاة ورسالة خارجية بأن الدول الكبرى لن تسمح بتدهور الوضع أكثر.

اترك تعليقاً