«لست عليهم بمسيطر:عن علاقة الدين بالثقافة والسياسة

«لست عليهم بمسيطر:عن علاقة الدين بالثقافة والسياسة

إنّ بعض عبقريّة الأديان الكبرى يكمن في أنّها كانت صانعةً للحضارات الكبرى. فمن يتأمّل، مثلاً، في العمارة والموسيقى والخطّ العربيّ بين سمرقند وفاس مروراً بأصفهان واسطنبول لا يمكن أن يفوته أنّ الديناميّة الفنّيّة المترامية التي صنعت كلّ هذا مدينةٌ للإسلام إيماناً وروحانيّةً ومنظومةً فكريّة. شيء من هذا يسري على المسيحيّة أيضاً. فهذه، بإسباغها شرعيّةً لاهوتيّةً على الأيقونة في مجمع نيقية الثاني (٧٨٧)، وضعت مداميك تلاق فريد بين المسيحيّة وواحد من أبرز عناصر الثقافة الوثنيّة، أي الفنّ التشكيليّ بعامّة، والصورة بخاصّة. ولم تسعف المعاداة للأيقونة، التي انجرف إليها البيزنطيّون إبّان القرنين الثامن والتاسع، على لجم هذا الموقف الإيجابيّ من التصوير، حتّى إنّنا نجد البابا باسخاليس في النصف الأوّل من القرن التاسع يتحدّى السلطة المناهضة للصور على ضفاف البوسفور، ويطلب من معلّمي فسيفساء مهرة تزيين إحدى أجمل التكايا البيزنطيّة في المدينة الخالدة، أي كنيسة القدّيسة براسيدي. ولعلّ بعض هؤلاء المعلّمين كانوا من الرهبان الناطقين باليونانيّة، الذين نصبوا مضاربهم في روما بعد الحملات الفارسيّة على الشرق في مطلع القرن السابع. وإذا كان الدين هو المحرّك الأساسيّ للفنّ، فإنّه اضطلع أيضاً بدور حاسم في نشأة علوم اللغة، إذ غالباً ما كان الانصراف إلى اكتناه أسرار اللغة مدفوعاً بالرغبة في فهم أعمق للكتب المقدّسة. ولا يندر أن تتّخذ النزعة إلى ربط الأدب بالدين منحًى متطرّفاً كما لدى طه حسين، الذي أنكر على الشعر الجاهليّ أصالته واعتبره منحولاً، لكونه افتقد فيه عروةً وثيقةً مع الدين.لكنّ هذه العبقريّة بالذات معرّضة اليوم لأن تتحوّل إلى مصيدة. هذا يعود، أوّلاً، إلى كوننا نعيش في زمن ما بعد حداثيّ استقلّ فيه الفنّ والأدب عن الدين، علماً بأنّ عمليّة الاستقلال هذه انطلقت إبّان أزمنة الحداثة. فالفنّ، حتّى يعبّر عن الإنسان، لا يعوزه أن يكون خاضعاً لأيّ فضاء ثقافيّ آخر، حتّى إنّ حرّيّته من أيّ ارتباط هي، في نهاية المطاف، ما يضمن له قدرته على الإمعان في أصالة التعبير عن كلّ ما هو إنسانيّ. وهو، تالياً، ليس في «خدمة» الدين، كما أنّ الفلسفة لم تعد في خدمة اللاهوت، وذلك بخلاف ما ذهب إليه بعض مفكّري القرون الوسطى. وترتبط المصيدة، ثانياً، بأنّ الدين، حين يقع أهله في الغلوّ، غالباً ما يصبح أسير الاعتقاد بأنّه نشاط إنسانيّ يبتلع كلّ شيء ويهيمن على كلّ شيء. ولعلّ هذا ما يوقع الدين في إحدى كبريات نزعاته إلى الالتباس. فهو، من جهة، يتأسّس على حرّيّة الضمير التي تشي بها أيّ قراءة متوازنة للكتب المقدّسة. غير أنّه، من جهة أخرى، يجنح إلى السيطرة والقمع وتعزيز متلازمات التسلّط. ولا يخفى على أحد أنّ هذه الظاهرة تتعاظم كلّما استشرت شهوة السلطة في المؤَسّسة الدينيّة، وكلّما أمعنت هذه في الخلط بين الدين بوصفه نشاطاً إنسانيّاً مشروعاً للأفراد والجماعات من ناحية، والهيكليّات الدينيّة القابلة للتبدّل والتغيّر على مرّ العصور من ناحية أخرى.
ما ينطبق على علاقة الدين بالفنّ والأدب والفلسفة ينسحب أيضاً على السياسة. إنّ قراءةً متأنيّةً لتاريخ حوض البحر الأبيض المتوسّط منذ اعتلاء قسطنطين الكبير عرش الإمبراطوريّة الرومانيّة في مطلع القرن الرابع حتّى يومنا هذا تُبيّن أنّ الامتزاج، إلى حدّ الانصهار أحياناً، بين المؤسّسة الدينيّة والمؤسّسة السياسيّة كانت له عواقب وخيمة، إذ كثيراً ما حال دون حسن انتظام العمليّة السياسيّة، وعرّض الحياة الدينيّة لأنّ تصبح رهينة حسابات سلطويّة غريبة عن اللحظة الدينيّة في أصالة بزوغها. ومن ثمّ، فإنّ أهل المؤسّسة الدينيّة مطالبون اليوم بأن يعزفوا عن التدخّل في الشأن السياسيّ من حيث هو إدارة للشأن العامّ، وأن يعتصموا بدورهم الذي يتلخّص في كونهم بوصلةً أخلاقيّة تصويبيّة، وذلك بما ينسجم مع قول القرآن الكريم: «إنّما أنت مذكّر، لست عليهم بمسيطر». وإنّ رفض «تديين السياسة»، من حيث كونه الفكرة الموازية للإحجام عن «تسييس الدين»، لا يحيل إلى الامتناع عن تذكير المجتمع بالمنطلقات الأخلاقيّة الكبرى التي ينبغي أن تسوس الممارسة السياسيّة، ولا سيّما إحقاق العدل بوصفه أساس الملك، بل يشير إلى إقبال القادة الدينيّين الشره على البازارات والمساومات والصفقات السياسيّة، وانفتاح شهيّتهم على القيام بدور سياسيّ يعوّضون فيه عن الخواء الفظيع الذي يكتسح اليوم المؤسّسة الدينيّة، ويجعل خطابها مجرّد خطاب أجوف، ويحوّل لاعبيها إلى «دمى من كلام». إنّ فصل الدين عن السياسة، بالمعنى الذي أشرنا إليه أعلاه، ليس طارئاً على حركيّة مجتمعات ما بعد الحداثة، بل هو في صلب «الانفصالات» التي حرّرت الفنّ والأدب والفلسفة أيضاً من هيمنة المؤسّسة الدينيّة ومستلزمات خطابها، وجعلت أهل الدين أكثر تواضعاً وقرباً من اللحظة التأسيسيّة التي شهدت انبلاج الأديان في أصالتها وبساطتها. ربّما تكون استعادة النموذج الشموليّ للدين مغريةً لبعضهم، لكنّها بالتأكيد لن تساهم في خلق مجتمع أكثر عدالةً وأكثر ازدهاراً. ولهؤلاء الذين يقفون في وجه القرينة التاريخيّة والخبرة التراكميّة، لا أبلغ من بيت الشاعر الجاهليّ الملهم طرفة بن العبد إذ يقول: «ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاً/ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّد». عسى ألّا تأتي المعرفة التي تلي الجهل بعد فوات الأوان…

اترك تعليقاً