محمد خضير… وجوه صفاء إسكندر _ خطوطٌ ورتوش

محمد خضير… وجوه صفاء إسكندر _ خطوطٌ ورتوش

الوجوهُ ممحوّة، والخطوطُ إحاطاتٌ مع رتوش إضافية: قِطّ، كلب، سمكة، أصيص نبات، قبعات وقمصان… خطّ مجرّد من زوائده يندفع نحو لونٍ باهت يتلاشى فيه. الألوانُ تكمّل دورةَ الخطّ بلا بهرجة أو تزيين. ألوانٌ مائيّة يتّصل بها الخطُّ أو يسبح كحبل غير مشدود. رخاوةٌ واستراحاتٌ. الفراغُ الدائريّ للوجه يشير الى غيابٍ ضروريّ للملامح كي يتبخّر الوجه ويسطع، سطوعَ العُمر الباهت كشمس الخريف.
إيقاعٌ بطيء ورتيب بلا زوائد كذلك أو أنغام. النغمُ بطيء أيضاً كعجلة عربةِ يومِ الجُمعة، جُمعة الخريف المسحوبة كذكرى بعيدة وراء العربة. والوجهُ ذكرى، بلا عُمر أو تزمين، سوى أنّ الخريف يزجّها في متحف الوقت الافتراضي، مع الوجوه الأخرى المتشابهة. تشابه مخيف كأنّنا في محشرٍ بلا هوية أو اسمٍ أو تعريف، في يوم جُمعة.
أنظرُ الى وجهي في ارتجال صفاء سالم إسكندر، فأجده أكثر شباباً، أبعد ارتساماً، أشدّ انبساطاً وتلميحاً. وما يجعله كذلك انسراح خطّه الخارجي كحبل العربة الفالت من قبضة الحوذيّ، قبل أن يقبضه اللونُ الأزرق الباهت في القميص. الوجوه الأخرى كذلك: أبهتَ الرسّامُ أرديتَها، فكأنّها على وشك النزوع والتخلّي عن الحياة، الاسم، الهوية، المكان والزمان.
انسراحٌ رخيّ، شعورٌ بالخفّة والرحيل الوشيك.. وجوه الحدائق الجِبرانية في أعلى الجبل.. أيقونات في معبد..
لا شكّ، فالرسّام الذي يبدو عجِلاً في لفظ مرسوماته، هو ليس بمتعجِّل على الاطلاق. يتمهّل طويلاً، يتملّى الملامح طويلاً ثم يحذفها؛ يُمسِك بحبل العربة قبل أن ينحلَّ في القُمصان ثم يُفلِته بتوقيع منحدرٍ للأفق الأسفل، كشمس خريف. الخطوطُ كلّها تذهب إلى انحدارها، وراء توقيع الرسّام. الرسّامُ_ الحوذيّ هو الغائب الأول، الذي يسحُّ حبلُ توقيعه وراء العربة المحشورة بالوجوه غير المعرَّفة.
رسوم خريفية، منزوعة التسمية، تلتقي كلّها في المحشر الأخير بلا مزايا أو صفات. وبهذه المجهولية الكبرى، يستمرّ الخطّ في نزع الأردية، استعداداً للمغادرة.. فيما يعمُر المحشرُ بالوجوه_ الأيقونات.
(*) مدونة نشرها القاص محمد خضير في صفحته الفايسبوكية

اترك تعليقاً