دولية

الغاز الإسرائيلي في أوروبا..بلا إعتراضٍ روسي

الحديث عن الغاز الإسرائيلي في أوروبا ليس جديداً، والإتفاقية التي عقدها الإسرائيليون منذ أيام مع الإتحاد الأوروبي لتصدير الغاز المسيل عبر مصر، كانت أشبه بحلم تحقق للإسرائيليين. وعلى الرغم من ضآلة حجم الغاز الإسرائيلي بالنسبة لحاجة الإتحاد الأوروبي منه، والتي لا تزيد عن 2%، إلا أن إسرائيل تجيد إستثمار ذلك حتى بنسبة أقل في علاقاتها باوروبا، كما أجادت وتجيد إستثمار العداء للسامية في علاقاتها مع العالم بأسره.
إسرائيل تتحدث منذ سنوات عن مواعيد مختلفة لتصدير الغاز إلى اوروبا تراوحت بين 2020 و 2026، كما تحدثت عن مشروع مد خط أنابيب لهذه الغاية. في العام 2016، وحسب موقع أوكراني نقل عن صحيفة تركية، قال القنصل الإسرائيلي في تركيا بأن الغاز الإسرائيلي لن يصل الأسواق الأوروبية قبل 4 أعوام. ونقلت حينها الصحيفة التركية عن خبراء قولهم بأنه، حتى لو كانت إسرائيل قامت بتصدير الغاز الطبيعي عبر تركيا إلى أوروبا، فكان يتعين عليها الإستعانة بخط الأنابيب الأذري TANAP الذي كان لا يزال في طور الإنشاء حينها. وفي أواخر العام 2018 نقلت دويتشه فيله DW عن وزير الطاقة الإسرائيلي حينها قوله بأن تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا ينبغي أن يبدأ العام 2026، وذلك بعد الإنتهاء من مد خط الأنابيب الذي يصل بين إسرائيل وقبرص وكريت واليونان حتى إيطاليا(فشل لعدم موافقة تركيا عليه) ، والذي كانت تقدر كلفته بحوالي 6 مليارات يورو. وقال الوزير الإسرائيلي حينها أن بلاده عازمة على البدء بتصدير الغاز إلى أوروبا في العام 2025، وتوقع أن يتم التوقيع في خريف ذلك العام على الإتفاقية مع اليونان وقبرص وإيطاليا، والتي كان يفترض أن تلحظ تصدير الغاز القبرصي في خط الأنابيب عينه.
ما كان يمكن لإسرائيل، وهي تحدد مواعيد تصدير الغاز إلى أوروبا، أن تتوقع شن بوتين حربه على أوكرانيا، وتصبح أوروبا مضطرة للبحث عن بدائل للغاز الروسي الذي يمد بوتين بموارد مالية ضخمة يستخدمها في تمويل آلة حربه على أوكرانيا ومن ورائها كل العالم الغربي. وعلى العكس من الإحراج أمام علاقة الصداقة مع روسيا بوتين الذي اضطر إسرائيل إلى الإمتناع عن تصدير الأسلحة إلى أوكرانيا، لم تشعر إسرائيل بأي إحراج يجعلها تتروى في التوقيع منذ أيام على الإتفاقية مع مصر والإتحاد الأوروبي لتصدير الغاز الإسرائيلي المسيل في المنشآت المصرية.
ثمة في إسرائيل من يرى أنها ستدفع غالياً ثمن موقفها من الحرب على أوكرانيا. موقع Vesty الإسرائيلي الناطق بالروسية والتابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، نقل في 9 من الجاري عن الرئيس السابق للموساد تامير باردو قوله بأن إسرائيل ستدفع ثمن موقفها من الحرب في أوكرانيا. ورأى أن رئيس الوزراء نفتالي بينيت ضحى بالمبادئ الأخلاقية في سبيل المصالح السياسية، ولم تتمكن إسرائيل، بعد مرور أكثر من مئة يوم، من أن تحدد موقفاً واضحاً من الحرب في أوكرانيا.
بعد أن يؤكد أن إسرائيل لم تعد كياناً عابراً مهدداً بوجوده، رأى تامير أن روسيا، وعلى مدى السنوات الثماني الماضية، كانت تنفي حق أوكرانيا بالوجود، وتضخم أسطورة التهديد الأوكراني، وبعد إحتلالها القرم قامت في نهاية المطاف بغزو أوكرانيا وتسمي الحرب عليها “عملية خاصة”. وفي الوقت الذي أدانت الدول الغربية موسكو وفرضت عقوبات عليها، تحاول الحكومة الإسرائيلية الجلوس على كرسيين متحججة بمصالح الأمن الوطني. ورأى نفتالي بينيت أن بوسعه، بفضل العلاقات مع بوتين، القيام بدور الوسيط، وهو ما سيكون في مصلحة إسرائيل. ولم يتمكن لا الموقف المتشدد من قبل الولايات المتحدة ولا الريبوتارجات المخيفة من أوكرانيا أن تبدل موقف الحكومة الإسرائيلية.
لم يكن أحد ليتوقع أن ترحب روسيا بالإتفاقية الأوروبية الإسرائيلية المصرية، لكن علاقاتها مع كل من إسرائيل ومصر لم تسمح لها بالتعبير عن إستيائها والرفض العلني لها. الإعلام الروسي ركّز على ضآلة حجم الغاز الإسرائيلي في الحلول محل الغاز الروسي المصدر إلى أوروبا، ولم يعبر أيضاً عن الرفض العلني للإتفاقية، بل كاد يكتفي بنشر الأنباء عنها فقط. وعل الرغم من أن الموقف الرسمي إلتزم الصمت حيال الأمر، إلا أن إستدعاء السفير الإسرائيلي في موسكو إلى الخارجية الروسية في 16 من الجاري للإحتجاج على الغارة الإسرائيلية على مطار دمشق في 10 منه، أي بعد أسبوع من وقوع الغارة، وبعد يوم واحد من التوقيع على الإتفاقية الثلاثية، رأى فيه البعض أنه تعبير عن الإمتعاض الضمني من الإتفاقية.
موقع ridus الإلكتروني الروسي الذي يصف نفسه ب”صحافة المواطن” نشر في 16 من الجاري نصاً بعنوان “”أصدقاء روسيا” إنتهزوا الفرصة للإستفادة من رغبة الإتحاد الأوروبي التخلص من الغاز الروسي”. وعلى غرار معظم مواقع الإعلام الروسي، وعدا عن وضع أصدقاء روسيا بين مزدوجين للتعبير عن “العتب” عليهم، لم يتضمن النص المقتضب للموقع سوى سرد وقائع التوقيع على الإتفاقية الثلاثية. واكتفى بالإشارة إلى الترحيب الحار من قبل ممثلة الإتحاد الأوروبي بالتوقيع على الإتفاقية، وتصريح وزيرة الطاقة الإسرائيلية في شباط/فبراير المنصرم بأن إسرائيل لن تتمكن في الأغلب من تصدير “كميات كبيرة” من الغاز إلى أوروبا.
صحيفة الكرملين vz نقلت عن قناة “الجزيرة” وقائع توقيع الإتفاقية، وذكّرت بالقرار الروسي عن إستيفاء ثمن الغاز من “الدول غير الصديقة” بالروبل. وتحدثت عن تساهل روسيا والسماح لهذه الدول بإيداع قيمة متوجباتها بعملة العقد في غازبروم بنك، على أن يقوم هو بدوره بتحويل المبالغ إلى الروبل وتسديدها وفق القرار الروسي. وأشارت الصحيفة إلى أن غازبروم قطع الغاز عن كل من بلغاريا وهولندا وبولونيا وفنلندا لأن هذه البلدان تأخرت في سداد متوجباتها ، ورفضت التسديد بالروبل.
صحيفة القوميين المتشددين الروس SP نشرت نصاً بعنوان “الإتحاد الأوروبي يحاول “الهروب” من “غازبروم” إلى إسرائيل”. تشير الصحيفة إلى تصريح لرئيس الوزراء الإيطالي في مؤتمر صحافي مشترك مع زميله الإسرائيلي في 14 الجاري، قال فيه بأن إمدادات الغاز من شرق المتوسط تخفض من إعتماد أوروبا على روسيا في مجال الطاقة. وخاطب الإسرائيلي بالقول أنهم سيعملون سوياً على “جبهة الطاقة” لإستخدام مصادر الغاز الطبيعي لشرق المتوسط وتطوير مصادر الطاقة المتجددة.
تتحدث الصحيفة عن مخططات تركيا لتطوير مصادر الغاز لديها وإمكانية تصديره مع إسرائيل إلى أوروبا، وتنقل عن خبير روسي قوله بأن جميع هذه الخطط قابلة كلياً للتنفيذ، إلا أنها لا تستطيع أن تكون سوى بديل جزئي للغاز الروسي. ويرى الخبير أن ما تم التوقيع عليه في القاهرة ليس سوى إعلان نوايا قد لا تتحقق، ولم يرد فيها ذكر للأرقام لأن من الصعب تأكيدها في الواقع.
يقول الخبير أن مصر صدرت السنة الماضية 10 مليار متر مكعب من الغاز إلى تركيا والصين بصورة رئيسية، ويمكن تصدير كمية معينة منها إلى أوروبا. ويرى أن من الممكن في المستقبل تصدير كميات محددة من الغاز القبرصي إلى مصر لتسييلها ومن ثم إعادة تصديرها إلى أوروبا.
ويقول الخبير أن كل هذا يجمع أقل من 10 مليار متر مكعب من الغاز، وهو لا يقارن بالكمية التي تصدرها روسيا إلى أوروبا وتبلغ حوالي 150 مليار متر مكعب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!