متفرقات

التعاونيات الإعلامية”… حل لأزمة تمويل الصحافة اللبنانية؟

تطرح الأزمات الاقتصادية والمالية في لبنان، أسئلة ملحّة حول مستقبل الإعلام في لبنان، دفعت إلى البحث عن بدائل، بينها “التعاونيات الإعلامية” المبنية على الشراكة بين الصحافيين والقراء في محاولة لحل جزء من مشكلة التمويل، وسط أسئلة أخرى عما إذا كان ذلك مدخلاً لـ”تحرير” السياسات التحريرية لتلك المؤسسات من سطوة مموليها التقليديين، أحزاباً ومُعلنين.
ولأن لا قيامة للبلاد من انهيارها، من دون تغيير جذري في القيم السائدة فيها، ومن بينها علاقة الإعلام بالرأي العام، حمل مشروع “دليل تضامن” الذي يعنى بالتعاونيات التضامنية، هذه الهواجس، طارحاً إياها على الصحافيين والقراء في حوار عام، عبر موقع zoom، حيث نقل تجارب 4 تعاونيات إعلامية ناجحة في الخارج، مضيئاً على نجاحاتها، والأسس التي ارتكزت عليها، والتحديات، وإمكانية التطبيق في لبنان.
50 موظفاً يتخذون قرارات تحريرية
شارك في الجلسة 4 متحدثين يمثلون 4 تعاونيات صحافية، هم: كوني غلنبك عضو مجلس إدارة في تعاونية “Taz” الألمانية، وبيلي بريغز، المؤسس المشارك في The Ferret وهي أول منصة اعلامية تعاونية في اسكتلندا مخصصة لصحافة “المصلحة العامة”، ودرو أوجا جاي، ناشر The Breach، وهي تعاونية صحافية كندية، وكاميل روسو، مديرة التسويق في Woz وهي أكبر تعاونية صحافية في سويسرا.
تناول النقاش خصائص تجربة التعاونيات الإعلامية الأربع، من التمويل إلى علاقتها بالقارئ والاستدامة والاستقلال والنموذج المالي واتخاذ القرار الديموقراطي.
تجمع تجارب المؤسسات الأربع على تحقيق “صحافة مستقلة” بشقيها التحريريّ والماليّ، مع استدامة يضمنها تطوير “منتجها” الإعلامي، وفق حاجات مشتركيها القراء.
وعلى سبيل المثال، تعرّف the ferret عن نفسها بالقول إنّ “أحداً من مدرائنا لا ينتمي لأي حزب ونحن نلتزم باتباع نهج غير حزبي في كل ما نقوم به”، كما أنها تقوم بعرض “تقارير مالية دورية لتؤمن لداعميها أكبر قدر من الشفافية حول كيفية صرف الأموال”.
وليست صدفة أن هذه التجارب في معظمها ولدت من رحم حركات عمالية وطالبية وحقوقية، ومن هنا تميّزها باللامركزية والقاعدية في تغطية الخبر، وهو ما يفتقده الإعلام التقليدي الذي نعرفه في لبنان.
فتغطية قضايا السكان المحليين في كندا، ومتابعة قضايا الطبقة العاملة في سويسرا، والانحياز للعدالة الجندرية في ألمانيا، وتطور مفهوم الصحافة الاستقصائية في اسكتلندا، كلها سياسات تحريرية منحازة للناس وللفئات المهمشة، حققتها هذه التعاونيات كل في بلادها، وانطلاقاً من قضايا المجتمع المحليّ.
ومع أن هذه النماذج تُصنّف ناجحة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تتلاقى لناحية التطبيق، سواء على صعيد طرق التمويل أو اتخاذ القرارات وحقوق المساهمين… فمثلاً، في Taz، هناك 50 موظفاً يدخلون في صلب القرارات التحريرية، وهناك سياسة الردّ السريع على المشتركين، وأخذ آرائهم في عين الاعتبار. بينما في Woz، لا يؤثر المشتركون كثيراً في تلك السياسات، وليسوا جميعهم من قراء الصحيفة، فهم “يمولون مؤسسة Woz لأنهم ببساطة يدعمون الصحافة المستقلة”.
كما أن هذه النماذج ليست جميعها حديثة، وأقدمها مثلاً تجربة Woz، التي تأسست العام 1981، لكنّ التمويل المستقل، وعدم استحواذ أعضاء بعينهم على سياسة التحرير، عبر وضع سقوف للحصص المتاحة للأعضاء، كلها عوامل ساهمت في ضمان استدامة استقلالية هذه التجارب طيلة هذه السنوات.
البدء من أسفل الهرم
تتصدر التحديات في تلك التجارب، الرواتب ليست تنافسية، لكنها متساوية بين الأعضاء، وهي مقبولة الى حد كبير. كما أن هناك صعوبات في المعاملات القضائية للتعاونيات في اسكتلندا مثلاً، كأن “يتطلب قرض من المصرف الكثير من الأوراق”.
وفي حين أن 10% فقط من مصادر التمويل يعتمد على الإعلانات في كل من Taz وWoz، تعتمد The Ferret بنسبة 20% على المِنَح وهي تلجأ إلى تحقيقات استقصائية بالتعاون مع مؤسسات إعلامية تقليدية للوصول إلى عدد أكبر من الجماهير. كما تعزز الندوات والمؤتمرات التواصل بين هذه المؤسسات، والقراء المساهمين.
ويمكن استخلاص قيم عديدة تكرسها التعاونيات الإعلامية، مثل “البدء من أسفل الهرم” في تغطية الأخبار، ومعالجة القضايا من منظور السكان والفئات المتضررة وحاجاتها، والتفاعل المبني على القاعدية من خلال التواصل مع المجتمعات المحلية كما في The Breach.
وتعزز هذه التجارب قيم التعاضد والتضامن والتواصل بين الشركاء، فهي لا تعتمد فقط على النمط الاستهلاكي، بل على التطوير المستمر لمنتجها الإعلامي بما يناسب حاجات القراء، ويضمن استمرارية العمل.
حاجة لبنانية مُلحّة
بيلي بريغز، من التعاونية الإعلامية the ferret، تحدث لـ”المدن” عن رؤيته لنقل تجربة التعاونيات الإعلامية الى لبنان، إذ يرى وجوب “دعم وسائل الإعلام المستقلة في لبنان”، لا سيما مع خيبة أمل الكثيرين في الإعلام التقليدي، كما في الحكّام، مشدداً على أنه “لضمان نجاح التجربة، يجب التفكير ملياً في إقناع الناس بدعمها، عبر توعية الجمهور لحاجته للإعلام البديل، وحاجته ليكون شريكاً في صناعته”.
من جهتها، تتقاطع كاميل روسو من Woz، مع بريغز. وفي حديثها لـ”المدن”، تقول: “إذا اعتبر الناس أن إحدى وسائل الإعلام جديرة بالثقة، فمن المحتمل أن يكونوا أكثر استعداداً لتأسيسها إن أمكن”. وهذا في رأيها يحثّ تلك التعاونيات على اعتماد مبدأ الشفافية التي تضمن الاستقلالية بدورها، “عبر الانفتاح بشأن الممولين، واتخاذ القرارات التحريرية من أصغر كيان صحافي ممكن”.
بدوره، يذكّر بريغز، بحسنات التمويل المتسم بالشفافية، في صناعة رأي عام يسائل، إذ “يمكن للأشخاص الذين يصبحون أعضاء في هذه التعاونيات الإعلامية أن يكون لهم رأي في كيفية تطوير المشروع”.

لا مركزية القرارات.. ورأس مال ديموقراطي
للغوص أكثر في حاجة الإعلام اللبناني للتعاونيات الإعلامية في ظل الانهيار الاقتصادي، تقول أليس كفوري، وهي مستشارة في اقتصاد التنمية في “دليل تضامن”، إنّ “النموذج الاقتصادي الذي اعتدناه في لبنان، انهار، واليوم لدينا الفرصة لبناء مجتمع قائم على قيم جديدة أبرزها العدالة، الديموقراطية والتضامن. فيما تأسيس التعاونيات والمؤسسات التضامنية يأتي بإحدى أولى الوسائل لبناء هذا النموذج الجديد”، لا سيما أنّ هذه التجربة تتيح “مساهمة أعضاء التعاونيات في اتخاذ كل القرارات وامتلاك رأس المال بشكل عادل وديموقراطي”، عبر “المساهمة المالية مقابل صوت واحد فقط عند اتخاذ القرارات (بغض النظر عن مساهمتهم)”.
وعما إذا كانت التعاونيات الإعلامية بين الصحافيين والقراء يمكن أن تكون مخرجاً لمعضلة ارتهان قسم كبير من المؤسسات الإعلامية اللبنانية للممولين، من السياسيين والأحزاب والمصرفيين المسؤولين عن الانهيار، تقول كفوري إن “الأزمة الاقتصادية أثبتت ان للإعلام دوراً أساسياً في الإضاءة على المشاكل المالية وأسبابها، ولهذه الوسائل بالتالي دور اجتماعي واقتصادي بحيث تصل موادها الإعلامية إلى الملايين، لكن عوض مساعدتهم على أن يصبحوا مدركين لحقوقهم فيطالبون بها، فإنّ شح التمويل يدفعها إلى قبول أموال مشروطة من جهات سياسية تملي عليها مواقف سياسية أو تمنعها من تغطية أحداث ما وفق أجنداتها”.
في المقابل، فإنّ تغطية الأحداث في التعاونيات الإعلامية المملوكة من القراء والمشاهدين، تبدأ من الأشخاص الذين تأثروا بالسياسات، فيفهم الصحافي قصص المتضررين/ات أولاً وبشكل مباشر، ومن ثم يطرح أسئلتهم على المسؤولين والسياسيين، فلا يتم أخذ التصاريح بداية ممن لديهم النفوذ أو مصلحة في الكذب، وذلك لإظهار الحقيقة وإيصال أصوات المهمشين/ات.
بمعنى آخر، تعطي التعاونيات الإعلامية الأولوية لحقوق ومصالح الناس، فيكون لديها دور في التثقيف المجتمعي ومناصرة قضايا المتضررين من الأنظمة.
تعاونية إعلامية في لبنان… قريباً؟
على صعيد حظوظ نجاح التجربة لبنانياً، تشير كفوري إلى أن “التعاونيات التضامنية توفر التعليم والتدريب لأعضائها ليتمكنوا من المساهمة بشكل فعال في تطويرها”.
وعن إمكانية نقل تجربة التعاونيات الإعلامية بين الصحافيين والقراء إلى لبنان، توضح سنى الصايغ، منسقة مشاريع في دليل تضامن، أنّ فريق “دليل تضامن” يعمل بالفعل على تأسيس تعاونية إعلامية بعدما كانت له مساهمة في تأسيس تعاونيات تضامنية هي “ساعد” و”life”.
ويأتي هذا الحوار عبر zoom “كخطوة أولى لنشر ثقافة التضامن والتكافل المجتمعي إضافة إلى استقطاب مجموعة صحافيين/ات وإعلاميين/ات ليكون جزءاً من التعاونية التي ستنشأ ضمن اطار برنامج مسرّع المشاريع التضامنية في دليل تضامن”.
والمؤسسات الإعلامية التي تغطي الأزمات من منظور الفئات المتضررة، تصدّرت المشهد كإعلام بديل، لا سيما بعد انتفاضة 17 تشرين، وهي ترجمة لتعطش الجمهور المنتفض لنماذج إعلامية مستقلة، فيما “التعاونية الإعلامية” قد تكون فرصة لصقل التجربة عبر إشراك الرأي العام اللبناني التائق للتغيير في صناعة “منتج إعلامي” -لا تلوثه أيدي المموِّلين من فئة مسببي الانهيار وتبعاته- وصون استدامته المالية واستقلاليته، ورفد قدرة الجماهير على مساءلة الطبقة الحاكمة، عبر تراكم الوعي الشعبي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!