متفرقات

بينالي ليون للفنون المعاصرة… التفكير بهشاشة حالتنا البشرية

تأسس “بينالي ليون للفن المعاصر” العام 1991، بجهود كل من تيري راسباي وتييري برات، على أساس أن يُقام خلال السنوات ذات الأرقام المفردة. تم تأجيله، في المرة الأخيرة، لمدة عام بسبب جائحة Covid-19، ومن الواضح أن بينالي ليون الحالي، الذي انطلق منذ أيام في نسخته السادسة عشرة، يحمل لوثة الشك، أو الشكوك، التي ظهرت مع فترة الحجر، والتي نضج خلالها المشروع.
يحمل البينالي الحالي بحق نبرة جيدة، وبشرة مناسبة، في إطار الزمن ومزاجه، كما يعتمل فيه القلق في مواجهة مشكلات عالمية كالاحتباس الحراري، والصراعات المسلحة، وتشديد الإجراءات والقيود التي يواجهها المهاجرون، إلى ما هنالك من قائمة قد لا تنتهي من المعضلات الراهنة. عبر كل هذه العاهات، يصوغ البينالي ما يشبه التقرير، من دون إدانات جرمية، ومن دون ضجيج أو غضب، بل بالأحرى عبر أشكال غير مألوفة في بعض الأحيان، وكأنها، في مظاهرها العامة، تنحو صوب اللطافة والحكمة.مانيفستو الهشاشة
تمت دعوة 88 فنانًا معاصرًا من 39 دولة للمشاركة في النسخة السادسة عشرة من البينالي. هذه التظاهرة الفنية الضخمة كانت بمثابة دعوة للتفكير في هشاشة حالتنا البشرية، وهشاشة أجسادنا، كما في ضعف الكوكب بأسره، مرورا بجميع المواقف الوسيطة التي يمكن تخيلها التي اتخذت من الهشاشة موضوعاً لها، ليتخذ عنوان “مانيفستو الهشاشة” (لا ندري إن كانت كلمة “بيان” صالحة في هذا الموقع). تقترح النسخة الحالية من البينالي مقابلة بين الأعمال الفنية التي تأخذ في الإعتبار نبض الوقت والزمن، والعالم كمكان للتفكير، في ممارسات فنية تعكس حالات وجودية، وربما تكون الهشاشة واحدة من الحالات، أو الحقائق القليلة التي تشعر بها الخليقة في عالمنا المنقسم، المليء بالأزمات والحروب. لكن اختيار موضوع الهشاشة يتوازى مع المخاوف من أن يؤدي جنون العالم إلى ظهورها، لذا، فقد عمل فنانو البينالي، قدر المستطاع، على تحويل ضعفهم إلى مصادر للإبداع. إلى ذلك، يستكشف هذا البينالي، أيضاً، المقاومة كفعل يتصدّى للهشاشة ويدعو إلى الخلق، وإعادة إبتكار العالم من خلال العمل الفني في مختلف تجلّياته.
تتكيف العديد من الأعمال، التي تم إنشاؤها في الموقع، مع السياق المعماري للأماكن التي عُرضت فيها، بما في ذلك العديد من التجهيزات الغامرة الكبيرة جدًا. وبالنسبة لهذه النسخة، يعتمد البينالي أيضًا على ثراء مجموعات المتاحف في مدينة ليون وأماكن أخرى، من أجل دعوة إلى قراءة جديدة للأعمال من خلال قصص خالدة عن الضعف والمثابرة. هذا، وتقام النسخة الحالية السادسة عشرة في مواقع مختلفة من المدينة، بما في ذلك مصانع فاجور، ومتحف غيميت السابق، وماكليون، ومتنزه تيت دور، ومتحف ليون التاريخي – جاداني، ومتحف فورفيير…
(هوغيت كالان)والجدير بالذكر أن اثنين من المنسقين المعروفين عالمياً هما سام بردويل وتيل فيلراث أشرفا على تنظيم التظاهرة. سام باردويل، اللبناني الذي قضى سنين طفولته في بيروت، ثم درس في لندن، وعمل في دبي، ومن المعارض الأولى التي قام تنظيمها معرض في نيويورك. جمعته دروب المهنة والإهتمامات المشتركة مع تيل فلرات الألماني، خريج كلية لندن للاقتصاد (LSE) ومدرسة بارسون للتصميم. قام Bardaouil و Fellrath برعاية معارض عديدة، وتعاونا مع أكثر من 70 مؤسسة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مركز بومبيدو في باريس. يشرح سام بردويل “إنهم يأتون، أي الفنانون، من جميع أنحاء العالم، وهذا يشبه أحد الخيوط المشتركة التي وجّهتنا، تيل وأنا”. ويضيف: “كان الأمر يتعلق بالتفكير بالفنانين، والمواد التي يستخدمونها، والقصص التي يعالجونها، والقضايا التي يثيرونها والأسئلة التي يطرحونها”. وإذ يتلاقى الملفان، الفني والإقتصادي، يشير بردويل إلى أن “الجانب الاقتصادي والسياسة والتصميم والعلم وتاريخ الفن والأبحاث، كل هذه التخصصات تجتمع في ولادة معرض”. أما تيل فيلراث فيقول: “هؤلاء فنانون قدموا من جميع أنحاء العالم وتحدثوا عن أشياء مختلفة، ولكن بالنسبة لنا، من المهم أيضًا أن يكون لدينا هذا الوصول العمودي إلى الوقت لإظهار أن هناك عودة للأشياء. قد نكون اليوم، كأفراد، لا نختلف تمامًا عما كنا عليه قبل 2000 عام؛ قد تتطور التكنولوجيا، ولكن بشكل أساسي قد لا نزال نفس الأفراد، وهذا درس مهم للغاية من أجل فهم أننا بشرية واحدة من نواح كثيرة”.الجمال المفقود
ونظراً إلى كثرة المشاركين وتنوّع العروض، تقرّر إقامة التظاهرة في أمكنة عديدة: مصانع، مراكز ثقافية، متاحف، حدائق، وحتى في إحدى المحطّات. خصص متحف الفن المعاصر MAC – ليون طابقين لفنانين لبنانيين من جيل الخمسينيات وحتى السبعينيات، تحت مسمّى “بيروت والستينات الذهبية”، وهم هلن الخال، أسادور يزديكيان، بول غيراغوسيان وهوغيت كالان، إضافة إلى منحوتات لسلوى روضة شقير ورسوم لإيتيل عدنان، كما لثنائي من صانعي الأفلام هما جوانا حاجي توما وخليل جريج، اللذين صنعا تجهيزاً بوسائط متعددة حول إنفجار 4 آب 2020 بعنوان “أين عقلي”. وتقول حاجي توما في هذا الإطار: “لقد لحق الدمار بمحترفي الخاص، وبالعديد من أعمالنا، وهذا يجعلنا نفكر كثيراً في هشاشة الفن، وهشاشة المؤسسات التي يُفترض أن تحمي الفن”. هكذا، يمكن القول إن القيّمين على بينالي ليون، سام بردويل وتيل فيلراث، كانا على حق مرتين، بعدما تم وضع التظاهرة تحت علامة الهشاشة وعدم اليقين، ووجدا في هذه المدينة – بيروت حالة دمار نموذجية. وإذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء، يمكن ملاحظة الأثر السلبي الذي خلّفته الحرب الأهلية في الحياة الفنية اللبنانية، إضافة إلى الدمار الذي أصاب العديد من الأعمال الفنية. أما التجهيز المذكور، العائد لحاجي توما وجريج، فهو عبارة عن نسخ من التماثيل القديمة التي فقدت رؤوسها، أو بالأحرى رؤوس تلك التماثيل التي تدخل في تكوين العمل، في حين هي تفتقر إلى الأجساد. وكأن توما جريج أرادا هنا استحضار جمال مفقود، وتشوّهات مرتبطة بالمعارك والحروب، وفي مكان قريب، هناك 25 نسخة لأعمال يونانية ورومانية، تذكّر بدورها بالتقلّبات التي تعرّضت لها متاحف مدينة ليون، نتيجة الحرب العالمية الأولى والثانية، وحتى ثورة أيار 1968.عالم أبوكاليبتي أحادي اللون وأفكار حول التكنولوجيا والعنف

تُعد الأرض القفر لمصانع Fagor سابقاً أكبر مساحات العرض من ضمن البينالي. على هذه المساحة تحضر الأشكال الفنية كلّها تقريباً: التصوير، الوسائط والتجهيزات المتعددة المواد، النحت والتصوير الفوتوغرافي. لا شك أن أحد أعمال التجهيز الملفتة تعود إلى الفنان البلجيكي هانز أوب ديبيك، حيث تتجسد مدينة في المساحة المغلقة الواسعة (هنغار) وكأنها حظيرة ضخمة، أو مخيم ما بعد نهاية العالم، وذلك تحت عنوان We were the last to stay، أي ما معناه “كنا آخر من يبقى”. يقول ديبيك: “بما أن اللون لا يحضر في هذا العمل، فأنت كمشاهد ستكون العنصر الوحيد الملوّن الذي ينتقل عبر التجهيز، وسينظر المشاهدون إلى بعضهم البعض ضمن هذا المحيط الرمادي. على هذا الأساس، سوف نكون نحن كمشاهدين عنصراً نافراً ملوّناً في هذا المحيط ذي اللون المحايد، وسنقيّم الفرق بين الحياة الحقيقية ونوع من “ما بعد الصورة”، أو الواقع المجرّد، كما تفعل، على سبيل المثال، الصورة الفوتوغرافية السوداء والبيضاء، التي هي أيضاً بمثابة تجريد للزمان والمكان”.
(Yunyao ZHANG)في مكان آخر، وفي متحف التاريخ الطبيعي Musee Guimet تحديداً، سنرى عمل أوغو شيافي المسمّى: “نظام ذاكرة مطعمة ” Grafted Time System (2022). السؤال الذي يخطر في بالنا لدى معاينة العمل هو في أي عام نحن بالفعل؟ 2050 ، 2100؟، لقد غزت النباتات مركز البيانات المهجور. أصبحت صناديقه السوداء أرضاً قاحلة. بعض النباتات جفت، والبعض الآخر يستمر في النمو بالرغم من الصمت والهدوء الرهيب، وبالرغم من نهاية العالم بلا شك. إنها غابة مستأنسة اختفى أسيادها. وقد نتساءل أيضاً: إلى أي عام يودي بنا الفنان أوغو شيافي؟ 2300، ربما. في عمله الكبير الحجم، أصبحت الجذور الآن شبكات اجتماعية، حيث تتبادل النباتات معلوماتها. إن عملية التمثيل الضوئي الخاصة بهم كافية لإنتاج الضوء اللامع الذي يغذيهم. مرحبًا بكم في عالم خالٍ من البشر. هذا التجهيز الرائع يغزو ظلام متحف مهجور في قلب مدينة ليون. بين الخيال والواقع، يبتكر شيافي القصص، ويعرض الهياكل المعدنية والليفية التي تدعم تمثيل الكبرياء البشري، ويكشف في الوقت نفسه عن ضعف الإنسانية.
في إشارات واضحة إلى منحوتات العصور القديمة وعصر النهضة، يستخدم الرسام الصيني Yunyao ZHANG الغرافيت والباستيل على قماش اللباد لتأليف أعمال تصويرية كبيرة، والتي شاء من خلالها إقامة حوارات معاصرة مع الماضي. يستخدم الفنان أسلوبًا متطلبًا ودقيقًا لإلصاق مواده بالقماش غير اللامع، مما يخلق شعوراً بالإرتياح، والذي يتم تعزيزه بشكل أكبر من خلال الطريقة التي تتحد بها المواد مع السطح المحكم لتعكس الضوء. يبدو أن أعماله عبارة عن تجميع، من زوايا مختلفة، من الأشكال النحتية نفسها. تندمج التمثيلات المتراكبة لموضوعات متعدّدة مع بعضها البعض، مما يؤدي إلى إنشاء مراسلات جديدة تستحضر مونتاجًا سينمائيًا معلقًا. يشهد النطاق الأسطوري لصوره على أهمية المثل العليا القديمة في تشكيل المفاهيم المعاصرة للقوة والجمال والقوة.
(سيلفي سيليج)أما الفنانة الفرنسية سيلفي سيليج، فتستلهم في رسومها ولوحاتها، وعبر المواد الخام، مشاهد سردية مبتكرة تطغى عليها الفانتازيا. في الاستوديو الخاص بها في باريس، تتلاعب الفنانة بأقمشة التول المبخّرة مثل شرائح من فيلم غير لم تكتمل مشاهده، أو طبقات من الجلد الشفاف. تروي أعمالها ذات الطابع السينمائي، المسرحي والأسطورية للشخصيات الممثلة بدقة، والتي تستحضر أيضًا النحت الكلاسيكي والحداثي. تتشابك العوالم الهجينة بين الإنسان والحيوان والأنواع بشكل وثيق، وتكشف عن حب غير متبادل، ومسيرات تودّد فاشلة، وعدد لا يحصى من العلاقات المتبادلة الأخرى التي تلهم مضاعفاتها خرافات ضمنية وغامضة. اللون الأحمر حاضر جدًا في بعض أعمالها، وتشبع سيليج لوحاتها بشعيرات دموية مفصلة بدقة، مما يجعل القلب النازف لسينوغرافياتها ينبض بضعف عاطفي حياتي.من الصعب الإحاطة بأعمال أخرى حاضرة في البينالي، بالرغم من أهميتها، وذلك لضيق المجال. هذه التظاهرة الضخمة، التي افتتحت في مدينة ليون في 14 أيلول، سوف تستمر حتى نهاية العام 2020، وما على من يشاء الإطلاع على الأعمال المعروضة في كلّيتها سوى زيارة المدينة الفرنسية.. إذا استطاع إلى ذلك سبيلا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!