مقالات

الموسيقيّ اللبنانيّ الكنديّ وليم نصّار مسيرة إبداع لا تستجدي التصفيق (ماري القصّيفي)

ماري القصّيفي - قاصة وكاتبة من لبنان

مجنون، وقح، عنيد، مقاوم، كان مشروع شهيد، أستاذ جامعيّ، ناسك في محراب الموسيقى، مدخّن شره، يريد أن يصلح العالم، يريد أن يربّي الناس، شيوعيّ لا ينتمي إلى حزب، معارض ذو لسان حادّ، وكثير غيرها من الصفات التي قد يراها البعض حميدة، وقد يجمع كثر على كونها صفات إنسان يصعب التفاهم معه… لكنّ الموسيقيّ نصّار وفي اعتراف أكثر الناس نقمة عليه: يكفي أن يكون قد كتب ولحّن وغنّى “على طريق عيتات” كي تُنسى كلّ أخطائه وخطاياه.
عام 1986، أصدر وليم نصّار (ابن الـ 16 ربيعًا)، تكريمًا للأسير (المحرّر لاحقًا) أنور ياسين، أولى أشهر أغنياته “على طريق عيتات”. ثمّ أعاد تسجيلها في العام 2015 أثناء فترة إصابته بالسرطان، بتوزيع جديد، وأعطاها عنوان ترتيلة حمرا ( تراك رقم 2 من ألبوم شو بتشبهي الرمان). كان الشاب اليافع عهدذاك يخوض في وقت واحد تجربتَي الفنّ الملتزم والحرب العشوائيّة، فيرى البندقية آلة عزف، والغيتار وسيلة قتال، وكان يلزمه الكثير من التجارب والأعمار كي يكتشف أن الموسيقى من أجل السلام أجمل من أناشيد الحرب.
منذ ذلك التاريخ، وهذه الأغنية بالذات، تحظى بنسبة عالية من السرقة بين المغنّيات والمغنّين “الملتزمات والملتزمين”، من دون أي إشارة لنصّار وهو كاتب كلماتها وملحّنها ومؤدّيها، أو طلب إذن منه. كأن ليس من شروط الالتزام “الالتزام بالأخلاق” واحترام الإبداع وحفظ حقوق الناس. حتّى أنّه منذ بعض الوقت أشار عبر صفحته على فيسبوك إلى ما بدا كأنّه تعدّ جديد على هذه الأغنية، غير أنّه رفض، حين سألته، الإفصاح عن اسم “السارق”، وقال إنّ الأمور سوّيت، ولا داعي لذكر أسماء.
أبدأ بهذه الأغنية لأنتقل بعدها مباشرة إلى نتاج وليم نصّار الجديد، فبين عامَي 2021 و2022، وبينما العالم قابع تحت شروط الحجر الصحيّ بسبب وباء كوفيد 19، ومخنوق بالضائقة الاقتصاديّة، ومتخوّف من حرب نوويّة، أمضى الموسيقيّ اللبنانيّ الكنديّ الوقت، حين لا يكون في المستشفى لفحوص طبيّة تتعلّق بالسرطان، متنقّلًا بين بيته والاستديو الذي يملكه، ليصدر على التوالي خمس أغنيات هي: نشيد الثورة القادمة، حبيبتي المقاومة، غيفارا، لبنان بكرا، دولا مين.
تنويعات موسيقيّة لا تشبه واحدة منها الأخرى، ولا تشبه أرشيفه الموسيقيّ السابق، كأنّ نصّار يريد أن يمارس التلذذ في تحدّي ذاته، ليكتشف أنماطًا وأساليب تجعله هو نفسه راضيًا عن موسيقاه قبل أي أحد آخر. فإن كان ثمة صفة تليق بهذا الموسيقيّ المنفيّ فهي عدم الاكتراث لشعبويّة عابرة مهما بدت ملتزمة، وآنية ولو ظهرت بمظهر الوفاء، ولا شللية حزبية وهي نفسها الفساد والمحسوبيات والواسطة؛  لأنّ الالتزام في الأغنية السياسيّة، بحسب تعبيره، لا يتطلب التزامًا حزبيًّا، فأكثر الملتزمين حزبيًّا يفتشون عن الحفلات والشهرة والربح الماديّ تحت شعار الالتزام … ومعظمهم لا يقرأ حتى النوتة ولا يعرف أسماء أوتار آلته، بينما هو يصنع أغنية ملتزمة ويكتب موسيقى لارضاء قناعاته أوّلًا وأخيرًا: قناعاته التي أفقدته بعض الأصدقاء والزملاء والكثير من “الرفاق”. يقول باختصار: “إنّ من يتوخى الربح من أغنية سياسيّة هو تاجر مباديء، ففي إمكان الموسيقيّ الملتزم أن يعمل في نتاج موسيقيّ آخر إلى جانب الأغنية السياسية ليكنز المال لكن لا من الأغنية السياسيّة. الأغنية السياسية واجب نضالي وليست مهنة ولا وسيلة للعيش.”
سألته مرّة عن تجاهل اليساريّين والشيوعيين له، فحين أنشر على فيسبوك روابط أغنياته، أو أكتب عنه، يمتنع كل من يوجد على صفحتي منهم عن التعليق ولو بكلمة أو إشارة إعجاب… فكان جوابه: هذا ليس بجديد … ولا يهمّني الأمر…
ولم أسأل طبعًا. ولن.
وحين سألته: “لماذا لا تبثّ صوت الشعب أغنياتك، على الأقلّ تلك المهداة إلى ضحايا تفجير مرفأ بيروت … كان الجواب نفسه: لا أسأل ولا يهمني. اسأليهم هم لا أنا”.
ولم أسأل طبعًا. ولن.
ملاحظة على الهامش: إذاعة صوت لبنان الكتائبية “العدو الفكري لوليم نصار بما تمثله سياسياً” … بثّت أغنية لبنان بكرا ثلاث مرات يوم صدورها.
بالعودة إلى أغنيات وليم نصّار الخمس الجديدة: نشيد الثورة القادمة، حبيبتي المقاومة، غيفارا، لبنان بكرا، دولا مين. سأكتفي وأنا لست مؤهّلة للقيام بنقد فنيّ بالآتي:
1 -عالم هذه الأغنيات موسيقيّ صرف: الكلمات والصوت (التعِب مرّات بحكم الأدوية)، والآلات كلها في خدمة الموسيقى المرتبطة بأنامل رجل واحد. فلكأن وليم نصّار يقوم بالعمل كلّه بأعصابه ولو كان معه فريق عمل محترف بارع.
2- الاستماع إلى هذه الأغنيات، على تنوّعها واختلافاتها، يتطلّب من المستمع ثقافة موسيقيّة أصيلة كي يستطيع تبيّن دور كلّ آلة، وتوقيت دخول الأصوات، وتنوّع الأساليب، كأنّ ثمّة رسالة في كلّ تفصيل… لذلك تجتمع في الاستماع إلى كلّ منها لذّة الإصغاء إلى موسيقى راقية جديدة مع التحدّي بتفكيك رموز العمل للدخول إلى عالمه الفريد.
3- ثمّة تساؤل يرافق المستمع مع كلّ أغنية: ماذا لو تعب صوت وليم نصّار أكثر؟ من يمكنه أن يوصل هذه الأحاسيس؟ والجواب موجع بقدر ما هو منطقي: لا أحد. لكأن صوته وهو يؤدّي أغنياته هو العصب الذي يشدّ عناصر العمل لتخرج في انسجام وتناغم وعاطفة وذكاء، الذكاء نفسه الذي يجعل نصّار يبرع في استخدام هذا التعب لإيصال رسالة إنسانيّة فنيّة.
4-  الثورة والمقاومة والإنسان والوطن… موضوعات هذه الأعمال، ليست مجالًا للبكاء والتفجّع في نتاج نصّار. لذلك تسيطر على هذه الأعمال أجواء الفرح والأمل والدعوة إلى الحياة. فالموسيقيّ الذي واجه الموت مرضًا وتهديدًا، لا يرضخ في عمله الفنيّ، فيرفض الندب والعويل، مستنهضًا الهمم، نافضًا الدمع واللطم عن القصائد، في دعوة صريحة لصناعة فنّ الحياة لمواجهة التحديات.
5- لا يستجدي نصّار التصفيق، ولا ينتج عملًا يرضي الناس. فأغنيته “لبنان بكرا” المهداة إلى ضحايا تفجير بيروت أثارت عليه نقمة كثيرين اعتبروا أنّه تنازل عن مبادئه وتنكّر لماضيه. كأنّ هؤلاء لم يستمعوا لأغنيته بيروت (صدرت عام 1987) التي يدعو فيها الأمّ، قبل ثورة المرأة اليوم في إيران، إلى خلع حجابها، وإلى محو الشعارات القديمة عن الحيطان.
6- يصعب الجزم ما إذا كانت هذه الأغنيات تؤسّس لمرحلة جديدة في مسيرة نصّار أم تنهي مرحلة من الارتباك. من الواضح أنّها تحمل غنى ثقافيًّا، ما يشي بأن هذا الموسيقيّ لم يكتف بموهبة ابن الـ 16 ربيعًا، بل نمّاها بالدراسة والاطّلاع، بلا مساعدة من أحد (لا حزب، ولا طائفة، ولا دولة، ولا خلفيّة عائليّة فنيّة…). لذلك يحقّ لنا أن نتساءل إن أمكن أن تكون نقطة انطلاق نحو آفاق أكثر شموليّة في موضوعاتها ومعالجاتها، وفي مشروع موسيقيّ عالميّ اللغة والانتماء والاهتمام؟
 كان في إمكان وليم نصار أن يفعل كما يفعل أكثر المثقّفين العرب الذين اختاروا العيش خارج أوطانهم عبر الاستفادة من برامج الدعم الحكومية للأعمال الثقافية والفرق الموسيقيّة الاثنيّة … وينشئ أوركسترا من العرب تؤدي موسيقى طربية وغيرها … لكنه بقي وفيًّا لخطّ الأغنية الذي بدأه … ولا أدري ان كان هذا غباء منه أو هو منتهى الالتزام بقضايا آمن بها ولا أعرف من سيشكره على كلّ ذلك أو من سيشير إليه. وأكاد أجزم أنّ الرجل المبدع في الموسيقى لا يزال يتصرّف بنقاء طفل يراهن على الخير في هذا العالم، ويكفي أن نقرأ وصيته المنشورة على موقعه الرسميّ كي نعرف أنّ الخيبات كلّها، والطعنات كلّها، لم تغيّر طباع هذا الرجل الذي يظنّ أنّه كبر في العمر وصلب عوده، وهو لا يعي أنّه لا يزال رغم قسوة مظهره وفظاظة ألفاظه حين يغضب، مراهقًا ناقمًا على الحياة التي جعلته يواجه باكرًا الحرب والمرض والظلم ويريد، حتى آخر نفس، أن يصلح الكون.
حين قرأت ما كُتب عن مازن عبّود، قلت لوليم نصّار: يبدو أنّ الشيوعيّ لا يحبّ الشيوعيّ إلّا ميتًا… فصمت كعادته حين لا يريد الإفصاح… والآن أقول له: عش طويلًا وأصدر مئة أغنية بعد… وعمرو ما حدا يحبّك منهم … عش طويلًا وانس الماضي … وعمرو ما حدا يورت…

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!