تحقيقات

ميقاتي يتقصّد تأخير خطة التعافي؟ (أنطوان الأسمر)

الإستحقاقات التي تواجه الحكومة قليلة، لكنها متشعّبة وخشنة. هي فعليا تتمحور حول ثلاثة، يلهج بها المجتمع الدولي: 
 
أ-الموازنة وخطة التعافي المالي، الضلعان الرئيسيان لأي برنامج مع صندوق النقد الدولي. ولا يبدو رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مستعجلا إنجاز الخطة قبل الإنتخابات النيابية، وهو ما يلمسه الصندوق من خلال الاجتماعات التي يعقدها مع الفريق الحكومي المفاوض. فيما يظهر يوما بعد يوم أن مشروع الموازنة بالصيغة الرقمية التي أقرّتها الحكومة، تغيب عنه الروح الإصلاحية، كأن ميقاتي أراد الموازنة رفعا للعتب ليس إلا، وبأقل ضرر سياسي ممكن عليه، حتى لو لاقت اعتراضا من صندوق النقد الذي وجدها لا تتواءم وخطة التعافي. 
 
ويمكن إستشعار قلق الصندوق إنطلاقا من البيان الصادر عنها في ختام المرحلة الأولى من المحادثات الرسمية مع الحكومة اللبنانية. إذ يؤشر البيان الرسمي الى قلق الصندوق من التأخر الحاصل في تجاوب الحكومة مع الإصلاحات الملحة. وهو عبّر بلسان رئيس البعثة راميريز ريغو عن قلقه من حدة الأزمة اللبنانية، بإعلانه عن أن “طبيعتها المعقدة وغير المسبوقة تتطلب برنامج إصلاح اجتماعي واقتصادي ومالي شامل لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد، ومعالجة التحديات العميقة الجذور، وإرساء الأساس لنمو مستدام وقوي. وقد تم إحراز تقدم خلال البعثة في الاتفاق على مجالات الإصلاح الضرورية، وهناك حاجة إلى مزيد من العمل لترجمتها إلى سياسات ملموسة، وسيكون الحصول على قبول واسع النطاق لهذا البرنامج متعدد السنوات أمرًا أساسيًا لتنفيذه في الوقت المناسب وبشكل حاسم”.
 
والبارز في هذا السياق أن ميقاتي يبدو على قاب قوسين من مخالفة التوصية الفرنسية – الأميركية بالإنتهاء من التفاوض مع الصندوق، وتاليا توقيع الإتفاق النهائي قبل نهاية آذار، بما يضمن إرساء حد أدنى من الإستقرار قبيل الإنتخابات النيابية. وكان الموفد الفرنسي ومنسق المساعدات الدولية من أجل لبنان السفير بيار دوكان قد حدّد في زيارته الأخيرة، بوضوح ومن دون لبس، الموعد الآذاري. وعبّر في الوقت نفسه عن قلقه من أن تخطي نهاية آذار ترجع مجمل الجهد الدولي لإنقاذ لبنان الى خانة الإنطلاق، بالنظر الى أن الإستحقاقات السياسية الداهمة من الإنتخابات النيابية في أيار إلى الانتخابات الرئاسية في تشرين الأول، وبينهما الاستقالة الحكمية للحكومة إثر الإنتخابات المفتوحة على تعثّر في تشكيل أخرى جديدة، كل ذلك سيؤخر جهود الإنقاذ الى سنة 2023، وحينها يكون لبنان قد صار أمام مفترق وجودي خطر قد لا يفلح في تخطّيه.
 
ب-الترسيم البحري في الجنوب مع اسرائيل وفي الشمال مع سوريا. ويبقى الترسيم الجنوبي هو أكثر إلحاحا بالنظر الى التحديات والمخاطر والرغبة الأميركية الملحة في إنهائه بما يؤمن استقرار سياسيا نسبيا هو الوجه الآخر للاستقرار الغازي. ولا يخفى أن واشنطن ترغب في إقفال هذا الملف إقفالا تاما، بما يتيح لموفدها كبير مستشاري أمن الطاقة آموس هوكستين الإنتقال إلى التحدّي الطاقوي الأكبر في أوراسيا، إنطلاقا من الأزمة الروسية – الأوكرانية. 
 
ج-إتمام الإنتخابات النيابية في موعدها، وهو البند المحوري في الإجتماع الذي عقدته أمس في بيروت مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان. وكان لافتا أن المجموعة خصّصت بيانها بالكامل للإنتخابات، بما يعكس الأهمية التي يوليها المجتمع الدولي لهذا الإستحقاق بحثا في ثناياه عن تغيير يرغبه في تركيبة الحكم.
 
وبات واضحا أن عواصم عدة صارت على يقين بأن الإنتخابات لن تأتي بما تشتهيه من تغيير في الحكم، مجلسا وحكومة (ولاحقا رئاسة جمهورية)، نتيجة ضعف الاحتضان الشعبي للمجموعات المدنية التي دعمتها وعوّلت عليها كثيرا. ويبقى السبب الرئيس في الخذلان الذي أصاب تلك العواصم تعثّر مجموعاتها في بلورة برنامج سياسي – انتخابي واضح يميل اليه الناخبون، بعدما تبيّن أن دورها بالتأسيس على التمويل الكبير الذي تحظى به، يستهدف حكرا المساحة المسيحية، والتيار الوطني الحر على وجه التحديد المتّهم بتوفير الغطاء لـ “حزب الله”، ولا يشمل بالتأكيد محاكاة التغيير الذي يتطلع اليه اللبنانيون عبر خلاصهم من المنظومة الحاكمة التي تدير بجدارة مأساتهم منذ 30 عاما، وكبّدتهم جنى عمرهم وقضت على مستقبل زاهر لأبنائهم. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!