متفرقات

الانتخابات النيابية توجّه دروساً في التواضع للأحزاب

يستطيع لبنان، على الرغم من كل الملاحظات الجوهرية والشكلية على انتخاباته النيابية أن يدّعي أنه لا يزال قادراً على المفاجآت الجميلة. وسط أزمات سياسية اجتماعية اقتصادية، مالية ونقدية غير مسبوقة -وربما بسببها- وجهت صناديق الانتخاب دروساً استثنائية في التواضع لكل القوى والأحزاب السياسية. قالتها صراحة: لا يزال في البلد نبض وبعض حيوية يمكن الرهان عليها.الأحزاب المسيحيةمن البيئة المسيحية نبدأ. فـ”التيار الوطني الحر” خرج مجرّحاً بالخيبات. ولا يخفف من “هزيمته”، كما برر أثناء عملية فرز الأصوات، تكبير حجم معركته لتكون “منذ 17 تشرين مع أميركا وإسرائيل وحلفائها الإقليميين”. يحل باسيل، صاحب طموح “الزعامة المشرقية” ثانياً في البترون. وتأتي خسارة التيار مقعدين في جزين مدوّية. كذلك خسر مقعداً حزبياً في المتن وآخر في بعبدا.
أما في كسروان، وما تختزنه من شرعية التمثيل الماروني، فتراجع حضور التيار فيها من 5 نواب عام 2005 و2009 إلى ثلاثة في 2018 ليتمثل في هذه الدورة بنائبة واحدة فقط.
فهل يحتاج “التيار” إلى رسائل أوضح ليتواضع؟ أم أن في الطبّاع ما يغلب التطبّع مع الواقع الجديد؟
على ضفة “القوات اللبنانية”، التي كانت تنتظر أن يجرف نهر الانتخابات “الحالة العونية”، جاءت خسارة مقعد النائب جوزف اسحق في “قلب البيت البشرّاني” مريرة. فهي لم تنغّص عليها فرحتها بالإنجاز الكبير على مستوى البلد فقط، إنما ذكّرتها بضرورة التواضع، خصوصاً في قراءة الأمزجة وضمانات الولاء.
أما حزب”الكتائب” الذي سارع إلى الإعلان عن انتصاره بمجرد “أن اللوئح التي دعمناها في كل لبنان نجحت بجدارة”، فيخفي في طيّ كلامه مرارة أحلام “تعبت في مرادها الأجسام”. صحيح أن “التوسّع” مجدداً إلى كسروان وتأمين مقعد للنائب سليم الصايغ له رمزية خاصة، إلا أنه كان يتعذّر الحصول عليه لولا رافعة نعمة افرام وأصواته.المستقلّونوالحديث عن افرام يستدرج الكلام عن كل “المستقلين” الذين خاضوا غمار الانتخابات وهم يتوقعون حواصل مرتفعة على خلفية تململ الناس من الواقع السياسي والاقتصادي المنهار. إلا أن ترجمة التوقعات والأرقام أتت مخيبة إلى حد ما، مما يدعو المستقلين، حتى ممن كانوا على لوائح الأحزاب، إلى التواضع أيضاً.
فإذا أخذنا افرام مثالاً، فقد نال 10743 صوتاً بزيادة 26 صوتاً فقط عن الانتخابات النيابية السابقة حين حصد 10717 صوتاً، على الرغم من حضوره الخدماتي المتواصل إلى جانب الناس، حتى قبل الانتخابات وأثنائها وعلى الأرجح بعدها.
حتى “حزب الطاشناق” المشهور أنه “حديدي” الانضباط، عليه أن يعيد قراءته لحجمه وحضوره في الطائفة الأرمنية، ويتواضع في أرقامه. فعلى سبيل المثال، لو انتخب من نقلتهم الماكينة الانتخابية الأرمنية بسياراتها في المتن مرشحها، ورئيس الحزب هاكوب بقرادونيان، لكان نال ما يزيد عن 7 آلاف صوت! فيما هو نال تقريباً نحو 4700 صوت.كسر الاحتكاروما يصح من كلام عن التواضع المطلوب في “البيئة المسيحية” يصح حكماً على البيئات الطائفية والسياسية الأخرى. و”حزب الله” في طليعة المدعوّين إلى ذلك. وإذا كان بامكانه أن يجد تبريرات، ولو شكلية، لعدم الإقبال الكثيف على الانتخاب، فكيف يمكنه شرح خرق كل من الياس جرادة وفراس حمدان في دائرة “الجنوب الثالثة”؟ ماذا عن سقوط معظم حلفائه أو تراجع وبهتان حضورهم؟ أليس هذا درساً شديد اللهجة في وجوب التواضع؟
صحيح انه لم يُعرف عن الحزب إعجابه بتلقي الدروس، لا بل يستمتع بإسدائها دائماً إلى عموم اللبنانيين، إلا أن أصوات الصناديق كانت عالية بما يكفي للفت انتباهه، على ما يُفترَض.
وكما وجهت صناديق الجنوب رسائل محددة لـ”حزب الله”، كذلك فعلت صناديق بيروت مع “تيار المستقبل” والرئيس سعد الحريري.
فبيروت التي شرّعت له القلوب المتعاطفة قبل أبوابها، قالت صراحة أنها لم تجيّر له مفاتيح تلك الأبواب؛ وبالتالي فليتواضع من يظن أنه قادر على وضعها في الجيب وإغلاق أبوابها السبع وراءه. صوتت بيروت لـ”التغييريين” ولخطاب يليق بمدينة تجرؤ على التمرد والرهان فعلاً على المستقبل.
وجوب التواضع في الانتخابات ينسحب كذلك على الطائفة الدرزية، من “الحزب التقدمي الاشتراكي” إلى “اللقاء الديموقراطي”، وإن بنسب متفاوتة. وإذا كان “الاشتراكي” تلقى إنذاراً تحذيرياً هزّ مكاسبه المحفوظة لعقود، فإن “الديموقراطي” تلقى إشعاراً باخلاء الموقع، مما يُصعّب إعادة إشغاله لاحقاً.
فالدروز أيضا قالوا إن “احتكار” التمثيل النيابي ليس قدراً ولا بد من الإصغاء جيداً إلى أصوات الاعتراض في أوساطنا.
قد تكون هذه الانتخابات أرسلت دروساً شديدة الوضوح في وجوب تبريد الرؤوس الحامية، والتواضع أمام نتائجها. أما مصدر القلق المشروع، فكونه لم يُعرف عن الطبقة السياسية اللبنانية أنهم تلامذة نجباء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!